ونواصر لهم ، فيتّبعونهم ويحبّونهم تربية لأهوائهم الفاسدة وتقوية لبدعهم الضّالة .
ثمّ أشار عليه السّلام إلى أنّ أسباب تلك الآراء أيضا إنّما هي امتزاج المقدّمات الحقّة بالباطلة في الحجج التي يستعملها المبطلون في استخراج المجهولات ، ونبّه على ذلك بشرطيّتين متّصلتين .
إحداهما قوله ( فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين ) وجه الملازمة أنّ مقدّمات الشّبهة إذ كانت كلَّها باطلة أدرك طالب الحقّ بظلانها بأدنى سعى ولم يخف عليه فسادها ، مثال ذلك قول قوم من الباطنيّة : الباري تعالى لا موجود ولا معدوم وكلّ ما لا يكون موجودا ولا معدوما يصح أن يكون حيّا قادرا فالبارى تعالى يصحّ أن يكون قادرا فهاتان المقدّمتان جميعا باطلتان ولذلك صار هذا القول مرغوبا عنه عند العقلاء .
والأخرى قوله : ( ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ) لأنّ المقدّمات إذا كانت صحيحة حقّة كانت النتيجة حقّا وانقطع عنها اللَّجاج والعناد ، كقولنا : العالم حادث وكلّ حادث محتاج إلى المحدث فالعالم محتاج إلى المحدث ، ولكن لما لم يخلص الباطل من المزاج ولم يمحض الحقّ من الالتباس بل امتزج الباطل بالحقّ واختلط الحقّ بالباطل وتركَّبت القضايا من المقدّمات الحقّة والباطلة ، مثل ما قال المدّعون للرؤية : الباري تعالى موجود وكلّ موجود يصحّ أن يكون مرئيا فالباري تعالى يصحّ أن يكون مرئيا ، لا جرم خفى الامر على الطالب المرتاد وكثر لذلك اللَّجاج والعناد .
وهذا هو معنى قوله عليه السّلام ( ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ) أي الضّغثان ( فهنا لك يستولى الشيطان على أوليائه ) ويغلب على اتباعه وأحبّائه ويجد مجالا للاضلال والاغواء ، ويزيّن لهم اتباع الآراء والأهواء ، فأولئك سيجدون قبايح أعمالهم وعقايدهم وهم عليها واردون وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون ( و ) أمّا العارفون باللَّه بعين الحقيقة والسّالكون لسبيله بنور البصيرة ف ( ينجو ) ن من ذلك ويتخلَّصون من المهالك وهم ( الَّذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى ) والعناية
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 294
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٤