له ، ومحصّل دفع ذلك التّوهّم أنّ عدم الرّؤية لا يستلزم الانكار ، إذ آيات القدرة وعلامات المقدرة وآثار العظمة من الآفاق والأنفس شاهد حقّ على وجوده وبرهان صدق على ذاته ، فكيف يمكن مع هذه الآيات الظاهرة والبراهين الساطعة الانكار بمجرّد عدم الابصار ، مضافا إلى أنّ حظَّ العين أن يدرك بها ما صحّ إدراكه فأمّا أن ينفى بها ما لا يدرك من جهتها فلا ، ويأتي تحقيق الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الرّابعة والستّين إنشاء اللَّه تعالى .
والثانية قوله عليه السّلام : ( ولا قلب من أثبته يبصره ) مريدا بذلك تأكيد امتناع الإحاطة به وبيان عجز العقول عن الوصول إلى كنه حقيقته ، فانّ معنى الابصار هو الادراك على وجه الاكتناه ، فالمقصود أنّ المثبت لا يمكن له أن يعرفه بقلبه معرفة ضروريّة وأن يحيط به إحاطة تامّة .
ولمّا كان الابصار حقيقة في الرّؤية بالعين المستلزمة للإحاطة بالعلم والعرفان الضّروري فاطلق لفظ يبصر وأريد به ذلك مجازا من باب اطلاق اسم الملزوم على اللَّازم .
بيان ذلك أنّ اثباته تعالى بالقلب الَّذي هو عبارة أخرى عن الايمان به ممّا يضعف ويشتدّ وينقص ويكمل ويكون في مبدء اكتسابه ضعيفا ناقصا ، ثمّ يتدرج بمزاولة الأفكار والأعمال ويشتدّ شيئا فشيئا ويستكمل قليلا قليلا كما يقع للفحم بمجاورة النّار يتسخّن أوّلا تسخّنا قليلا ، ثمّ يشتدّ تسخّنه حتّى يحمرّ ، ثمّ يتنوّر ثمّ يضيء ويحرق ، ويفعل كما يفعله النّار من التّسخين والاضائة والاحراق ، فهكذا يشتدّ نور العلم وقوّة الايمان حتّى يصير العلم عينا ، والايمان عيانا ، والمعرفة تنقلب مشاهدة ولهذا قيل إنّ المعرفة بذر المشاهدة .
ولكن يجب أن يعلم أنّ العلم إذا صار عينا لم يصرعينا محسوسا ، وأنّ المعرفة إذا انقلب مشاهدة لم ينقلب مشاهدة بصرّية حسية لأن الحسّ والمحسوس نوع مضاد للعقل والمعقول لا يمكن لشيء من أفراد أحد النّوعين المضادّين أن ينتهى في مراتب استكمالاته واشتداداته إلى شيء من أفراد النّوع الآخر فالابصار إذا اشتدّ لا يصير
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 282
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٢