الرّؤية ما لم يكن بين الرّائي والمرئي هواء ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء من الرائي والمرئي لم يصّح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه ، لأنّ الرّائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان ذلك التّشبيه لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات .
وهذه الرّواية كما ترى دالَّة على امتناع الرّؤية بوجهين أحدهما أنّ من شرايط تحقّق الرؤية وجود الهواء أو ما يجري مجراه كالماء الصافي ونحوه بين الرائي والمرئي لتنفذ فيه شعاع البصر ويتّصل بالمبصر فإذا انقطعت الهواء عنهما أو عن أحدهما امتنعت الرّؤية الثاني لو جاز رؤيته سبحانه لزم كونه مشابها لخلقه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا وإليه أشار عليه السّلام بقوله : وكان في ذلك الاشتباه ، يعنى في كون الهواء بين الرّائي والمرئي الاشتباه يعنى شبه كل منهما بالآخر يقال اشتبها إذا شبه كلّ منهما الآخر لأنّ الرّائي متى ساوى المرئي وماثله في النّسبة إلى السّبب الذي أوجب بينهما الرؤية وجب الاشتباه ومشابهة أحدهما الآخر في توسّط الهواء بينهما .
وكان في ذلك التّشبيه أي كون الرّائى والمرئى في طرفي الهراء الواقع بينهما يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرّائي من الوقوع في جهة ليصحّ كون الهواء بينهما فيكون متحيّزا ذا صورة وضعية فانّ كون الشّيء في طرف مخصوص من طرفي الهواء وتوسط الهواء بينه وبين شيء آخر سبب عقليّ للحكم بكونه في جهة ومتحيّزا وذا وضع ، وهو المراد بقوله : لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات فقد تحقّق واستبان من ذلك امتناع رؤيته سبحانه مطلقا في الدّنيا والآخرة .
وظهر بطلان ما ذهبت إليه الأشاعرة من امكان رؤيته منزّها عن المقابل والجهة والمكان كما قال عمر النّسفى وهو من عظماء الأشاعرة : ورؤية اللَّه جايزة في العقل واجبة بالنّقل فيرى لا في مكان ولا على جهة من مقابلة أو اتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرّائى وبين اللَّه تعالى .
وقوله : فيرى لا في مكان له ناظر إلى منع اشتراط الهواء بين الرائي والمرئي واشتراط الجهة والمكان كما استدلّ به الباقون للرؤية ، وتوضيح هذا المنع ما ذكره الغزالي في محكيّ كلامه من كتابه المسمّى بالاقتصاد في الاعتقاد ، فانّه بعد
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٠