ما نقل استدلال أهل الحقّ في نفى الرّؤية من أنّه يوجب كونه تعالى في جهة وكونه في جهة يوجب كونه عرضا أو جوهرا جسمانيا وهو محال . قال : إنّ أحد الأصلين من هذا القياس مسلَّم وهو أنّ كونه تعالى في جهة يوجب المحال ، ولكنّ الأصل الأوّل وهو ادّعاء هذا اللَّازم على اعتقاد الرّؤية ممنوع ، فنقول : لم قلتم انّه إن كان مرئيا فهو في جهة من الرّائي أعلمتم ذلك ضرورة أم بنظر ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، وأمّا النظر فلا بدّ من بيانه ومنتهاه أنّهم لم يروا إلى الآن شيئا إلَّا وكان بجهة من الرّائي مخصوصة ، ولو جاز هذا الاستدلال لجاز للخصم « للمجسم خ ل » أن يقول : إنّ الباري تعالى جسم لأنّه فاعل فانّا لم نر إلى الآن فاعلا إلَّا جسميا ، وحاصله يرجع إلى الحكم بأنّ ما شوهد وعلم ينبغي أن يوافقه ما لم يشاهد ولم يعلم أقول : وهذا معنى قول التفتازاني في شرح العقائد النّسفية في هذا المقام من أنّ قياس الغايب على الشّاهد فاسد هذا ، وغير خفيّ على الفطن العارف فساد ما زعموه ، إذ دعوى كون المرئى بهذا العين مطلقا يجب أن يكون في جهة ليست مبنيّة على أنّ المرئيات في هذا العالم لا يكون إلَّا في جهة حتّى يكون من باب قياس الغايب على الشّاهد ، بل النظر والبرهان يؤدّيان إليه . بيان ذلك على ما حقّقه بعض المحقّقين ( 1 ) هو أنّ القوّة الباصرة التي في عيوننا قوّة جسمانية وجودها وقوامها بالمادّة الوضعيّة ، وكلّ ما وجوده وقوامه بشيء فقوام فعله وانفعاله بذلك الشّيء إذ الفعل والانفعال بعد الوجود والقوام وفرعه ، إذ الشّيء يوجد أوّلا إمّا بذاته أو بغيره ، ثمّ يؤثّر في شيء أو يتأثّر عنه ، فلأجل هذا نحكم بأنّ البصر لا يرى إلَّا لما له نسبة وضعية إلى محلّ الباصرة ، والسّامعة لا تنفعل ولا تسمع إلَّا ما وقع منها في جهة أو أكثر فهذا هو البرهان . ثمّ إنّه عليه السّلام بعد ما نبّه على امتناع رؤيته سبحانه أردف ذلك بجملتين . إحداهما قوله : ( فلا عين من لم يره تنكره ) مشيرا بذلك إلى ردّ ما ربما يسبق إلى الوهم في بادي الرّأى من أنّ العين إذا امتنع عليها رؤيته فلا بدّ من إنكارها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 281
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨١
هامش
( 1 ) الصدر الشيرازي في شرح الكافي منه .