وهي كلها مشتركة في أنّ التّوسّل فيها إلى معرفته سبحانه إنّما هو باعتبار امر آخر غيره ، كالامكان للمهيّة والحدوث للخلق والحركة للجسم . وهنا طريقة أخرى هي أسدّ وألطف وأشرف وهي أن يستدلّ به تعالى عليه ثمّ يستشهد بذاته على صفاته وأفعاله واحدا بعد واحد وإليها أشار الشّارح البحرانيّ بقوله : وأمّا الالهيّون فلهم في الاستدلال طريق آخر ، وهي انّهم ينظرون أوّلا في مطلق الوجود أهو واجب أو ممكن ، ويستدلَّون من ذلك على اثبات واجب ، ثمّ بالنظر في لوازم الوجوب من الوحدة الحقيقية على نفى الكثرة بوجه ما المستلزمة ( 1 ) لعدم الجسمية والعرضيّة والجهة وغيرها ، ثمّ يستدلَّون بصفاته على كيفية صدور أفعاله عنه واحدا بعد آخر . وظاهر أنّ هذا الطريق أجلّ وأشرف من الطريق الأوّل وذلك لأنّ الاستدلال بالعلَّة على المعلول أولى البراهين باعطاء اليقين ، لكون العلم بالعلَّة المعينة مستلزما للعلم بالمعلول المعين من غير عكس . قال بعض العلماء : وإنّه طريق الصّديقين الذين يستشهدون به لا عليه أي يستدلَّون بوجوده على وجود كلّ شيء إذ هو منه ولا يستدلَّون بوجود شيء عليه بل هو أظهر وجودا من كلّ شيء فان خفى مع ظهوره ، فلشدّة ظهوره ، وظهوره سبب بطونه ، ونوره هو حجاب نوره ، إذ كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته ومكوناته فلها عدّة ألسنة تشهد بوجوده وبالحاجة إلى تدبيره وقدرته لا يخالف شيء من الموجودات شيئا من تلك الشّهادات ولا يتخصّص أحدها بعدم الحاجات . وقال الصّدر الشّيرازى في شرح الكافي : واعلم أنّ للحكماء في إثبات هذا المطلب يعني وجود الصّانع منهجين أحدهما الاستدلال على وجوده تعالى من جهة النظر في أفعاله وآثاره وثانيهما الاستشهاد عليه من جهة النظر في حقيقة الوجود وأنّها يجب أن يكون بذاتها محقّقة وبذاتها واحدة وهي ذات الواجب وأنّ ما سواه من الأشياء التي لها مهيّات غير حقيقة الوجودية تصير موجودة وانّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 278
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٧٨
هامش
( 1 ) صفة للوحدة ، منه .