وعلى التّقديرين فالمقصود به حثّهم وترغيبهم على الجهاد تهيجا وإلهابا بأنّ صاحب الدّين والحميّة لا يتحمّل أن ينزل على إخوانه المؤمنين داهية فلا تنصرهم مع قدرته على الذّبّ عنهم وتمكَّنه من حماية دمارهم ومعاونتهم . ( أقوم فيكم مستصرخا ، وأناديكم متغوّثا ، فلا تسمعون لي قولا ، ولا تطيعون لي امرا حتّى تكشف الأمور عن عواقب المسائة ) أراد أنّ عدم طاعتهم له مستمرّ إلى أن تظهر الأمور ( 1 ) أي الأمور الصّادرة عنهم عن عواقب السّوء وترجع مآلها إلى النّدامة وملامة النّفس اللَّوامة ، أو المراد انه ظهر ( 2 ) الأمور الفظيعة اى الأمور الصّادرة عن عدوّهم بالنّسبة إليهم كالقتل والغارة وانتقاص الأطراف . ( فما يدرك بكم ثار ولا يبلغ بكم مرام ) تهييج لهم على التألف في النّصرة إذ من شأن العرب ثوران طباعهم بمثل هذه الأقوال ( دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الاسرّ ) قال الشّارح البحراني استعار لفظ الجرجرة لكثرة تملَّلهم وقوّة تضجّرهم من ثقل ما يدعوهم إليه ، ولمّا كانت جرجرة الجمل الأسرّ أشدّ من جرجرة غيرها لاحظ شبه ما نسبه إليهم من التضجّر بها ، وكذلك التشبيه في قوله ( وتثاقلتم تثاقل النّضو الأدبر ) . وقوله ( ثمّ خرج إلىّ منكم جنيد متذائب ) مضطرب ( ضعيف ) إشارة إلى حقارة شأنهم وقلَّة عددهم وقد ذكرنا أنهم كانوا نحوا من ثلاثمائة أو دونها وقوله ( كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) إشارة إلى شدّة خوفهم وجبنهم واضطرابهم فيما يساقون إليه مثل اضطراب من يساق إلى الموت وخوفه منه هذا . وقال صاحب الغارات : إنّه بعد ما خطب هذه الخطبة نزل من المنبر فدخل منزله ، فقام عديّ بن حاتم فقال : هذا واللَّه الخذلان ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين ، ثمّ دخل إليه فقال : يا أمير المؤمنين انّ معي من طىّ ألف رجل لا يعصوني فان شئت أن أسير بهم سرت ، قال : ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبايل العرب للنّاس ولكن اخرج
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 178
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٧٨
هامش
( 1 ) هذا المعنى على كون تكشف بصيغة المضارع من باب ضرب ، منه .
( 2 ) هذا المعنى مبنى على كون تكشف بصيغة الماضي من باب التفعل ونحوه تنكشف بصيغة المضارع من باب الانفعال على ما في بعض النسخ ، منه .