وقولهم : معنى عصى انّه عدل عن الأولى ، لأنّ الأمر بترك أكل الشّجرة كان أمرا على سبيل الندب فلما تركه آدم كان تاركا للأفضل والأولى فسمّي عاصيا باعتبار مخالفة الأولى ، وحملوا غوى على خاب لا على الغواية بمعنى الضّلال ، ومعلوم أنّ تأويل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام وحمله على أنّه شكا من تركهم الأولى أحسن من حمل قوله تعالى : وعصى آدم ، على أنّه ترك الأولى .
إن قيل : لا يخلو الصّحابة أن يكون عدلت عن الأفضل لعلة ومانع في الأفضل أولا لمانع فإن كان لا لمانع كان ذلك عقدا للمفضول بالهوى فيكون باطلا ، وإن كان لمانع وهو ما يذكرونه من خوف الفتنة وكون النّاس كانوا يبغضون عليّا ويحسدونه فقد كان يجب أن يعذرهم أمير المؤمنين عليه السّلام في العدول عنه ويعلم أنّ العقد لغيره هو المصلحة للاسلام ، فكيف حسن منه أن يشكوهم بعد ذلك ويتوجد إليهم وأيضا فما معنى قوله : فطفقت أرتاي بين أن أصول بيد جذّاء ، على ما تأوّلتم به كلامه فانّ تارك الأولى لا يصال عليه بالحرب .
قيل : يجوز أن يكون أمير المؤمنين لم يغلب على ظنّه ما غلب على ظنون الصّحابة من الشّغب وثوران الفتنة ، والظنون يختلف باختلاف الامارات فربّ انسان يغلب على ظنّه أمر يغلب على ظنّ غيره خلافه ، وأمّا قوله : أرتاي بين أن أصول ، فيجوز أن يكون لم يعن به صيال الحرب ، بل صيال الجدل والمناظرة ، يبين ذلك أنّه لو كان جادلهم وأظهر ما في نفسه لهم فربما خصموه بأن يقولوا له : قد غلب على ظنوننا أنّ الفساد يعظم ويتفاقم إن وليت الأمر ، ولا يجوز مع غلبة ظنوننا لذلك أن نسلَّم الأمر إليك ، فهو عليه السّلام قال : طفقت أرتاي بين أن أذكر لهم فضائلي عليهم واحاجّهم بها فيجيبوني بهذا الضّرب من الجواب الذي يصير حجتي بهم جذّاء مقطوعة ولا قدرة لي على تشييدها ونصرتها ، وبين أن أصبر على ما منيت به ووقعت إليه .
إن قيل : إذا كان لم يغلب على ظنّه وجود العلَّة والمانع فيه وقد استراد
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 415
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤١٥