النّيابة والخلافة لامكان النبوة المستقلة في حقّه من اللَّه التي هي أعلى وأكمل رتبة من مرتبة الخلافة من موسى ، إلَّا أنّ النّبوة لما كانت غير ممكنة في حقّ عليّ عليه السّلام بمقتضى الاستثناء فلا بدّ وأن يكون نفوذ تصرّفه المستند إلى الخلافة في حال حياة النبيّ المستفاد من عموم المنزلة مستمرا إلى ما بعد الوفاة ، وإلا لزم العزل والنّقص وتنفر الطباع ، إذ نفوذ التّصرف مرتبة جليلة لا يحط عنها من ثبت له هذه المرتبة ، لأنّ ذلك يقتضي غاية التنفير ، وبعبارة أخرى المجيب قد سلم كون انتفاء الخلافة بموت المستخلف موجبا للعزل والنّقص إلَّا أنّه قد ذبّ عنه بامكان جبران ذلك النقصان بحصول مرتبة هي أكمل من مرتبة الخلافة ، وعليه فأقول : إنّ الجابر للنّقص لما لم يمكن في حقّ عليّ عليه السّلام ، لزم بقاء الخلافة في حقّه على حالها لوجود مقتضى البقاء وهو ظاهر لا يخفى .
السّادس أنّ عدم دلالته على نفى إمامة الثّلاثة ممنوع ، لأنّه إذا دلت الرّواية على عموم المنزلة حسبما عرفت ، فمن جملة منازل هارون هو التّدبير والتّصرف ونفاذ الحكم على فرض التّعيّش بعد موسى عليه السّلام على عامة الامّة بحيث لم يشدّ منهم أحد ، فبعد إثبات العموم وتسليم الخصم يلزم دخول عامة امّة النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في حال حياته وارتحاله تحت تصرّف أمير المؤمنين عليه السّلام كما كان عامة قوم موسى تحت تصرّف هارون ، وهذا ينفي إمامة الثلاثة مطلقا ، فقد تحقق مما ذكرنا كله كفاية الرواية في إثبات خلافته ونفى خلافة الثّلاثة ، ويأتي إنشاء اللَّه مزيد تحقيق وبسط لذلك في التّنبيه الثالث من شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة المأة والحادية والتّسعين ، ولنعم ما قال زيد بن علي عليه السّلام :
فمن شرّف الأقوام يوما برأيه
فانّ عليّا شرّ فته المناقب
وقول رسول اللَّه والحقّ قوله
وان رغمت منه أنوف الكواذب
بأنك منّى يا عليّ معالنا
كهارون من موسى أخ لي وصاحب
وقال آخر :
وانزله منه على رغمة العدى
كهارون من موسى على قدم الدّهر