تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
كلمة توحيد ، والمقصود بها ليس إثبات الوجود بل إثبات التّوحيد ونفى الشريك ، وذلك إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوت وجوب وجوده بدليل آخر وراء هذه مسبوقة به ، ويشهد به كلامه عليه السّلام في الخطبة الأولى : أوّل الدين معرفته وكمال معرفته التّصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، حيث جعل التّوحيد تاليا للتّصديق ، ولازمه أن يكون التّوحيد بعد الفراغ عن التّصديق ، وقد بيّنا هناك أنّ المراد بالتّصديق هو الاذعان بوجوب الوجود ، بل أقول : إنّ لفظة الجلالة على ما اتفق الكلّ عليه من وضعها للذات المستجمعة لجميع الصّفات الكماليّة يكون مؤدّاها على ذلك الذّات بوصف الاستجماع ، فيكون المعنى لا إله ممكن موجودا كان أو معدوما إلَّا الذات المستجمعة ، ومن الواضح أنّ الاستجماع لصفات الكمال فرع وجود المتّصف بها بنفسه إذ لا يعقل أن يكون المعدوم متّصفا بأمر موجود فضلا عن كونه جامعا لجميع الصّفات الوجودية ، نعم يبقى هنا شيء ، وهو أنّ الاستثناء على هذا التّوجيه يشبه أن يكون منقطعا ، إذا المستثنى منه هو الاله الممكن ، والمستثنى هو اللَّه الواجب والانقطاع في الاستثناء وإن كان خلاف الأصل إلَّا أنه لا ضير في المصير إليه بعد اقتضاء الدّاعى له هذا . ويمكن أن يقدّر الخبر موجود ، ويجاب عن الاشكال السّابق من أنّه لا ينفي إمكان إله غيره تعالى ، بأنّ نفى الوجود يستلزم نفى الامكان إذ لو اتّصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة ، فإذا لم يوجد علم عدم اتّصافه به وما لم يتّصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتصف به لاستحالة الانقلاب بالضرورة . وهذا الجواب ذكره جمال الدين الخوانساري في حواشي الرّوضة وظاهره كما ترى يفيد أن المراد بالموجود الذي جعل خبرا هو الموجود بوجوب الوجود فيتوجه عليه حينئذ أنّه لا ينفى الاله الموجود بالوجود الامكاني وإن أراد الأعمّ من الموجود بالوجوب والموجود بالامكان فيعود الاشكال بأنّه لا ينفي إمكان إله غيره ولا يتمشى الجواب بأنّ نفى الوجود يستلزم نفى الامكان إذ لا انقلاب على هذا التقدير حتى يستحيل كما هو واضح ، فتأمل في هذا المقام جيّدا فانّه من مزالّ الأقدام .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 283 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي