تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨

يهن رأسه ذاكر ( 1 ) لانتظم شكره ذلك عند العقلاء في سلك التهكَّم والاستهزاء ، ولا ريب أنّ نعم اللَّه سبحانه علينا بالنسبة إلى عظيم سلطانه وعميم إحسانه أحقر من تلك اللَّقمة بالنّسبة إلى ذلك بمراتب لا تحصى ودرجات لا يحوم حولها الاستقصاء . لانّا نقول : أوّلا إنّ العقاب المترتّب على الكفران قطعيّ ، وقوله إنّ القطع بثبوته إنّما يتصور في حقّ من يسرّه الشكر ويسوئه الكفر ممنوع ، لأنّ ترك الواجب علة في استحقاق العقاب بتركه ، وثانيا سلَّمنا ولكن نمنع احتمال العقاب على الشكر ، وما علَّله به أوّلا من أنّه تصرّف في ملك الغير من دون إذنه فضعيف بأنا نعلم قطعا أنّ الاشتغال بوظايف الخدمة والقيام بالشكر والمواظبة عليه أسلم من تركه والاعراض عن الخدمة والتغافل عن الشكر كضعف ما علله به ثانيا من كونه كالاستهزاء . وتمثيل النّعمة باللقمة باطل ، فانّ نعم اللَّه على العبد بالايجاد والاحياء والاقدار وما منحه من العقل والسّلامة والملاذ والنّعم أعظم من الدّنيا بأجمعها . والمثال المطابق للممثل أنّه إذا كان مسكين مغفول ، وفقير في زاوية الخمول أخرس اللسان ، مؤف الأركان ، أشل اليدين ، أعرج الرّجلين ، أعمى العينين ، أصمّ الاذنين ، عاجزا عن الحركات ، مبتلى بالبليّات ، فأخرجه الملك من تلك الزّاوية ، وهذه الهاوية ، وأكرمه بمعالجة أسقامه ومداواة أمراضه ، فانطلق لسانه وسلم أركانه ، وقدر على الحركات والسّكنات ، وبرء من الأسقام والآفات ، وأعطى السّمع والبصر ، وميّز بين النّفع والضّرر ، وقويت يداه واستقامت رجلاه ، ثمّ أكرمه الملك بعد تمام العلاج وكمال المزاج ، بمزيد الاحسان والاكرام ، وبذل له غاية المعروف والانعام ، فأعطاه المساكن والملابس ، ومنحه المطاعم والمشارب ، وأتمّ له العيش الرغيد والعمر السّعيد ، فلو فرض أنّ هذا الشّخص بعد حصول هذا المنن الجسام ، وتلك النّعم العظام في حقّه ، أعرض عن شكر الملك ورغب عن ثنائه ، ولم يظهر منه ما يدلّ على الاعتناء بنعمائه ، والالتفات بآلائه ، بل كان حاله بعد حصولها كحاله قبل وصولها ، لذمّه العقلاء وطعنه الألبّاء ، كما يشهد به العقول

هامش
( 1 ) جواب لو فرضنا ، منه