آخر ، فانّه لا يلزم ثبوت الغايات لكلّ شيء وإلَّا لزم التسلسل ، بل لا بدّ وأن ينتهى إلى ما يكون واجبا لذاته ولا غاية له سوى ذاته كما أنّ دفع الضّرر واجب لذاته لا لغاية أخرى ، ولهذا يعلَّل العقلا ، وجوبه بكونه شكر اللنّعمة لا لشيء آخر ، وإن لم يعلموا شيئا آخر من جهات الوجوب .
وثانيا سلَّمنا أنّ الوجوب لا يكون إلَّا لفائدة ، إلَّا أنّا نمنع انتفاء الفائدة الدّنيوية للعبد لأنّ أداء الشكر وإن كان فيه ضرر عاجل وتعب ناجز إلَّا أنّ دفع الخوف من النّفس الحاصل في العاجل بسبب تجويز الضّرر الآجل بتركه أمر مطلوب وهو راجح على ضرر الشكر العاجل وهو كاف في الوجوب .
وثالثا سلمنا انتفاء الفائدة الدّنيوية إلَّا أنّا نمنع انتفاء الفائدة الأخروية وهو النّجاة من العقاب المترتب على عدم الشكر .
لا يقال إن أردت بالعقاب المترتب على عدم الشكر العقاب القطعي فممنوع ، لأنّ القطع بثبوته عند عدمه إنّما يحصل لو كان الشكر يسرّ المشكور والكفر يسوئه ، أمّا المنزّه عن ذلك فلا ، وإن أردت العقاب المحتمل فلا ينفع لأنّ احتمال العقاب كما هو موجود عند الكفر كذلك موجود عند الشكر أيضا أمّا أوّلا فلأنّه تصرّف في ملك الغير بدون إذن المالك ، فانّ ما يتصرّف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك للَّه تعالى ، وأمّا ثانيا فلأنّه كالاستهزاء .
بيان ذلك أنا لو فرضنا سلطانا عظيما وملكا كريما بسط لأهل مملكته من الخاص والعام بساط مائدة عظيمة لا مقطوعة ولا ممنوعة على توالى الأيام وتواتر السّنين والأعوام ، مشتملة على أنواع المأكولات والمطاعم وأقسام المشروبات والفواكه ، يجلس عليها الدّاني والقاصي ويأكل منها المطيع والعاصي ، وفرضنا أنّه حضر فيها فقير لم يحضرها قبل الآن ، ودفع إليه الملك من تلك المائدة لقمة خبز لا غير ، فتناولها الفقير ، ثمّ شرع في الثّناء والمدح على ذلك الملك الكبير ، وجعل يمدحه بجليل الانعام والاحسان ، ويحمده على جزيل البرّ والامتنان ، ولم يزل يصف تلك اللَّقمة ويذكرها ويعظم شأنها ويشكرها ، فتارة يحرّك أنملته شاكرا ، وأخرى
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 277
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٧٧