هو ناش عن حسبان أنّ الكفر له معنى واحد وهو المعنى المعروف بين الفقهاء وهو ما يوجب نجاسة المتّصف به وخلوده في النّار ، وليس كذلك بل له معان متعددة .
بيان ذلك أنّ الكفر في اللَّغة هو السّتر ، ومنه سمّي الليل كافرا لأنّه يستر ما أظهره نور النّهار ، واطلاقه على الكافر من جهة ستره ما أنعم اللَّه به عليه من المعارف الحقّة والأنوار الإلهية والنعم الجليّة والخفيّة ، وفي لسان الفقهاء يطلق الكافر على جاحد الرّب ومنكره ، وعلى منكر ما علم ثبوته ضرورة من دين الاسلام .
وامّا في القرآن والأخبار ، فربّما اطلق على تارك بعض الواجبات ولو لم يكن عن جحود كما يطلق على فاعل بعض المحرمات ، ويدلّ على عدم انحصار معناه في المعروف ما رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بكر بن صالح عن القاسم ابن يزيد عن أبي عمر والزّبيري عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : الكفر في كتاب اللَّه عزّ وجلّ على خمسة أوجه : فمنها كفر الجحود والجحود على وجهين والكفر بترك ما أمر اللَّه وكفر البراءة وكفر النعم : فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالرّبوبيّة ، وهو قول من يقول : لا ربّ ولا جنة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة لعنهم اللَّه يقال لهم : الدّهريّة وهم الذين يقولون : وما يهلكنا إلَّا الدّهر إلى أن قال وأمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفته فهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استيقن عنده ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ .
* ( « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » ) * وقال اللَّه تعالى : * ( « وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه ِ فَلَعْنَةُ ا للهِ عَلَى الْكافِرِينَ » ) * فهذا تفسير وجهي الجحود ، والوجه الثّالث من الكفر كفر النعم ، وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان : * ( « هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 262
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٢