تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
فهو منهم ، والذي يقدر على مثل ذلك الطواف يقال : إنّ الكعبة تزوره وتطوف به انتهى . أقول : هذا الطواف الحقيقي مختصّ بأولياء اللَّه سلام اللَّه عليهم ، وفي عالم المعنى الكعبة طائفة بهم وكاسبة من فيوضاتهم ، وإلى هذا المعنى أشار الفرزدق في قصيدته الميميّة التي قالها في مدح عليّ بن الحسين عليهما السّلام على رغم هشام بن عبد الملك ابن مروان عليهم اللعنة والنيران ، بقوله :
هذا الذي يعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه لخرّ يلثم منه ما وطى القدم
ثمّ لما كان طباع الخلق مايلة إلى حبّ الأرباح وطلب المنافع في المكاسب شوّقهم بقوله عليه السّلام : ( يحرزون الأرباح في متجر عبادته ) تنبيها على أنّ قيامهم بالعبادة في هذه المواقف الشّريفة تجارة للآخرة ولا محالة مشتملة على الرّبح والمنفعة ، فلا ينبغي للعاقل أن يفوتها على نفسه . قال أبو جعفر الباقر عليه السّلام في مرويّ الفقيه : الحجّ والعمرة سوقان من أسواق الآخرة اللَّازم لهما من أضياف اللَّه إن أبقاه أبقاه ولا ذنب له وإن اماته ادخله الجنّة ، ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الاستعارة ، حيث شبّه الحجاج بالتّجار وشبّه عبادتهم ببضاعة التّجارة ، وذكر المتجر استعارة تخييلية ، وذكر الأرباح ترشيح ، والمراد بالأرباح هو الثواب الجميل والأجر الجزيل المبذول للحجاج والمعتمرين والوفاد والطائفين . قال الصّادق عليه السّلام إنّ للَّه تعالى حول الكعبة عشرين ومأئة رحمة منها ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للنّاظرين . وقال عليه السّلام أيضا من نظر إلى الكعبة وعرف من حقّنا وحرمتنا مثل الذي عرف من حقّها وحرمتها غفر اللَّه له ذنوبه كلها وكفاه همّ الدّنيا والآخرة .