تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
الرّابع أنّهم لما كانوا في مقام التّرقى في الكمالات والصّعود على مدارج الترقيات في كلّ آن من الآنات في معرفة الرّب تعالى وما يتبعها من السعادات فإذا نظروا إلى معرفتهم السّابقة وعملهم معها ، اعترفوا بالتّقصير وتابوا منه ، ويمكن أن ينزل عليه قول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله : وإني لأستغفر اللَّه في كلّ يوم سبعين مرّة . الخامس أنّهم عليهم السلام لما كانوا في غاية المعرفة لمعبودهم فكلما أتوا به من الأعمال بغاية جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن يليق بجناب ربهم ، عدوا طاعاتهم من المعاصي ، واستغفروا منها كما يستغفر المذنب العاصي . ومن ذاق من كأس المحبّة جرعة شائقة لا يأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة والعارف المحب الكامل إذا نظر إلى غير محبوبه أو توجه إلى غير مطلوبه ، يرى نفسه من أعظم الخاطئين ، رزقنا اللَّه الوصول إلى درجات المحبين . أقول : هذا ما ذكره علماؤنا البارعون في التفصّي عن الاشكال المذكور ، شكر اللَّه سعيهم وأجزل مساعيهم رضوان اللَّه عليهم ، إلَّا أنّ لي في المقام وجها آخر وهو بحسب الظاهر قريب من بعض الوجوه السّابقة إلا أنّ نسبته إليها كنسبة الثّريا إلى الثّرى كما هي غير خفيّة على صاحب الذوق السّليم والطبع المستقيم وهو أنّك قد عرفت في التذييل الأوّل من تذييلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة ، أنّ أوّل ما خلق اللَّه سبحانه أنوار النبىّ وآله عليهم السّلام ، كما عرفت أنّه سبحانه خلق تلك الأنوار من قبل أن يخلق العالم بألوف من السّنين ، ومرّ هناك في حديث أبي الحسن البكري أنّه سبحانه خلقها قبل إيجاد العالم بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام إذا تذكرت ذلك فنقول : إنّهم قد كانوا حينئذ أنوارا بسيطة وجواهر مجرّدة عن التّعلق بالأجسام والجسمانيّات ، خالصة عن الكدورات ، فارغة عن القيودات والعلاقات ، مستغرقة في تلك المدّة المتطاولة في شهود جمال الحقّ سبحانه وتعالى مشتغلة في جميع هذه المدّة بالتّسبيح والتّقديس والتنزيه ، تارة في حجاب القدرة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 127 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي