فان قيل : إنّ الكتابة المكتوبة على وجه القمر ، الموجبة للكلف والسّواد فيه على ما دلت عليه الرّواية ، مكتوبة بعينها على الشّمس أيضا ، فلم لم توجب السّواد فيها حيث إنّه لو كان فيها سواد لشاهدناه قلت : أجاب عنه الجزايري بأنّ عدم المشاهدة لشدّة النّور وزيادة الضّياء المانع عنها .
ولكنّك خبير بما فيه لما قد عرفت في الاخبار السّالفة أنّ نوريهما كانا على حدّ سواء ، وكان سبب قلَّة نور القمر هو المحو الحاصل بالكتابة ، فلم تكن الشّمس في الأصل أشد نورا حتّى لا يظهر فيها أثر الكتابة ، والأولى أن يجاب بأنّ المقصود لمّا كان تمايز اللَّيل والنّهار ، ومعرفة السّنين والحساب ، كانت الكتابة على وجه القمر بخط جليّ لحصول ذلك الغرض ، بخلاف الشّمس ، والعلم عند الله هذا وقد تحقق ممّا ذكرنا سبب اختلاف نوري الشّمس والقمر ، بما لا مزيد عليه .
وأما سبب اختلافهما في الحرارة ، فهو ما بيّنه الإمام عليه السلام في رواية الكافي باسناده عن محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك لأيّ شيء صارت الشّمس أشدّ حرارة من القمر فقال : إنّ الله خلق الشّمس من نور النّار ومن صفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا حتّى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار ، فمن ثمّ صارت أشدّ حرارة من القمر ، قلت جعلت فداك ، والقمر ، قال : إنّ الله تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النّار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا حتّى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار فمن ثم صار القمر أبرد من الشّمس .
ورواه في البحار عن العلل والخصال أيضا وقال بعد ذكر الحديث توضيح قوله : حتّى إذا كانت سبعة أطباق ، يحتمل أن يكون المعنى أنّ الطبقة السّابعة فيها من نار ، فيكون حرارتها لجهتين ، لكون طبقات النّار أكثر بواحدة ، وكون الطبقة العليا من النّار ، ويحتمل أن يكون لباس النّار طبقة ثامنة ، فتكون الحرارة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 413
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤١٣