وأجاب الشّارح المعتزلي بأن قوله : ثم هو تعقيب وتراخ ، لا في مخلوقات الباري سبحانه بل في كلامه عليه السلام ، كأنّه يقول : ثم أقول الان بعد قولي المتقدّم : إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء انتهى .
وأنت خبير بما فيه ، ضرورة أنّه لا تراخي بين الاخبارين ، والأولى أن يعتذر بذلك عن اشكال إفادتها التّرتيب بأن يقول : إنّ ثم في كلامه لترتيب الاخبار ، لا لترتيب الحكم ، كما اعتذر به جماعة عن الآية الأولى ، واستدلوا عليه بالمثال السّابق ، وقالوا : إنّ معناه ثم أخبرك بأن ما صنعت أمس أعجب .
وإضافة الفتق والشّق والسّكائك إلى تالياتها ، من قبيل الإضافة بمعنى اللَّام ، ويحتمل كون إضافة الأوّلين من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أي الأجواء الفاتقه بين السّماء والأرض ، والأرجاء الفاصلة بينهما ، وهو الأقرب معنى ، لكن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبيّة ، كما هو ظاهر .
وقوله عليه السلام : متلاطما ومتراكما ، صفتان لماء ، كما أنّ جملة حمله كذلك أو أنّها استينافيّة بيانية ، وإلى ، في قوله : قرنها إلى حدّه ، بمعنى اللَّام كما في قولهم والأمر إليك .
وقوله عليه السلام : في فلك دائر ، بدل من قوله عليه السلام : فيها ، أو حال عن المنصوبين أو ظرف لغو متعلق بقوله منيرا .
المعنى
لما أشار عليه السلام إلى كيفيّة ايجاده سبحانه الخلق في الفصل السّابق إجمالا ، أشار إلى كيفيّة الخلقة تفصيلا ، فقال عليه السلام : ( ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، وشق الارجاء ، وسكائك الهواء ) هذه الجملات الثلاث متّحدة المفاد ، وجمع الأجواء والارجاء والسّكائك باعتبار تعدد طبقات الهواء ، وقيل : إنّ المراد بالاجواء : هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض ، وبالأرجاء : الفضاء المتّصل بأطراف الأرض الذي أدنى من الأوّل ، وبالسّكائك الفضاء المرتفع عن الأرض ، وكيف كان ففيها دلالة على كون الفضاء مخلوقا ، وأمرا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 372
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٢