تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧

والذي ينبغي أن يصار إليه هو أن يقال : لمّا ثبت كون الواجب عالما بذاته ، لزم كونه عالما بجميع الموجودات ، فانّ ذاته علة موجبة لجميع ما عداه ، ومبدء لفيضان كلّ إدراك حسيّا كان أو عقليّا ، ومنشأ لكل ظهور ، ذهنيّا كان أو عينيّا ، إمّا بدون واسطة ، أو بواسطة هي منه ، والعلم التّام بالعلة الموجبة يستلزم العلم التّام بمعلولها ، لأنّ المعلول من لوازم ذات العلة التّامة ، فيلزم من تعقلها بكنهه ، أو بالوجه الذي ينشأ منه المعلول : تعقله ، فلزم كونه عالما بجميع المعلومات ، وأما معرفة كنه هذا الحضور والعلم فلا سبيل لنا إليه كما لا سبيل لنا إلى إدراك ذاته . ولنعم ما قال المدقق السّابق في كتاب المبدأ ، حيث قال : وأمّا كيفيّة علمه بالأشياء بحيث لا يلزم منه الاتّحاد ، ولا كونه فاعلا وقابلا ، ولا كثرة في ذاته بوجه غير ذلك ، تعالى عنه علوّا كبيرا ، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحكميّة ، قل من يهتدي إليه سبيلا ، ولم يزل قدمه فيها ، حتّى الشّيخ الرّئيس ( 1 ) أبي علي بن سينا ، مع براعته وذكائه الذي لم يعدل به ذكاء ، والشّيخ الإلهي صاحب الاشراق مع صفاء ذهنه وكثرة ارتياضه بالحكمة ، ومرتبة كشفه ، وغيرهما من الفايقين في العلم ، وإذا كان هذا حال أمثالهم فكيف من دونهم من اسراء عالم الحواس ، مع غشّ الطبيعة ومخالطتها . ولعمرى إن إصابة مثل هذا الأمر الجليل على الوجه الذي يوافق الأصول الحكميّة ، ويطابق القواعد الدّينيّة ، متبرّءا عن المناقشات ، ومنزّها عن المؤاخذات ، في أعلى طبقات القوى الفكريّة البشريّة ، وهو بالحقيقة تمام الحكمة الحقّة الإلهية انتهى . أقول : ولصعوبة ذلك لم يأتوا عليهم السلام في الجواب عن هذه المسألة في الأحاديث السّالفة وغيرها مع كثرتها ، إلَّا بكلام مجمل من غير تفصيل ، لما رأوا قصور الأفهام والمدارك عن دركها ( 2 ) تفصيلا ، فسبحان من عجز عن إدراك ذاته الأفهام

هامش
( 1 ) حيث ذهب إلى الصور المرتسمة منه
( 2 ) اى درك كيفية العلم منه