تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
ومنهم من ذهب إلى إثباته وأنّ علمه بالأشياء متقدّم عليها ، وهم المشّاؤون تبعا لمعلمهم أرسطاطاليس ، قالوا : إنّ عالميّته بالأشياء بتقرّر صورها العقلية ، وارتسام رسومها الادراكية في ذاته تعالى ، واعتذروا عن ذلك بأنّ تلك الصّورة وإن كانت اعراضا قائمة بذاته : إلَّا أنّها ليست بصفاته ، وذاته لا ينفعل عنها ، ولا يستكمل بها ، لأنّها بعد الذّات وهي من قبيل اللوازم المتأخّرة والآثار ، لا من قبيل الصّفات والأحوال ، وأيضا لا تخل كثرتها بوحدة الذّات ، لأنّها كثرة على ترتيب السّببيّة والمسبّبية ، وكترتيب الواحد والاثنين والثّلاثة وما بعدها ، فلا تنثلم بها وحدة الذّات ، كما لا تنثلم وحدة الواحد بكونه مبدءا للأعداد الغير المتناهية إذ التّرتيب يجمع الكثرة في وحدة . توضيحه ما ذكره الصّدر الشّيرازي في شرح الهداية ، حيث قال : واعلم أنّ المصنّف اختار في علم الواجب بالأشياء الكلية والجزئية ، مذهب الحكماء القائلين بارتسام صور الموجودات في ذاته تعالى ، كالكسيمائيس الملطي وأرسطا طاليس ، وهو الظاهر من كلام الشّيخين أبي نصر وأبي علي وتلميذه بهمنيار ، وبالجملة جمهور أتباع المعلَّم الأوّل من المشاءين . وتقريره على ما يستفاد من كتبهم هو ، أنّ الصّورة العقليّة قد تؤخذ عن الصّورة الموجودة كما يستفاد من السّماء بالرّصد والحس صورتها المعقولة ، وقد لا يستفاد الصّورة المعقولة من الموجود ، بل ربّما يكون الأمر بالعكس من ذلك ، كصورة بيت أبدعها البنّاء أوّلا في ذهنه ، ثم تصير تلك الصّورة العقولة علَّة محرّكة لأعضائه إلى أن يوجدها في الخارج ، فليست تلك الصّورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت . ولمّا كانت نسبة جميع الأشياء الممكنة إلى الله تعالى نسبة المصنوع إلى النّفس الصّانعة لو كانت تامّة الفاعليّة ، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء هو قياس أفكار للعلوم التي نستنبطها ثم نوجدها في الخارج ، من حيث إنّ المعقول منها سبب للموجود