فلا يكون مصنوعاته مسبوقة بأمثلة من صانع آخر عمل هو تعالى بمثل صنع ذلك الصّانع .
وأمّا الثّاني فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم به وإن كان مبتدأ في العرف ومخترعا عندهم ، لكنّه مفتقر إلى الملهم والمفيض ، والافتقار محال عليه سبحانه ، بل هو غني في فعله وصنعه عن غيره ، كما أنّه مقدّس عن مشابهة خلقه في ايجاده وخلقه ، حيث إنه خلقهم ( بلا رويّة أجالها ) ولا فكر أداره أو صرفه إليهم ( ولا تجربة ) معينة له على خلق هذه الأجسام ( استفادها ) أي اكتسبها لنفسه من قبل ، بمعنى أن يكون خالقا من قبل أجساما مجرّبا له مرّة بعد أخرى ، فحصلت له تلك التّجربة ، ويأتي إن شاء الله تحقيق هاتين الفقرتين في شرح الفصل الثّالث من خطبة الأشباح .
( ولا حركة أحدثها ) كما أنّا نحتاج في أفعالنا الاختياريّة بعد التّصور والشّوق والإرادة إلى إحداث حركة في العضلات ، ليقع الفعل في الخارج وهو سبحانه تعالى شأنه عن ذلك ، لكون الحركة من خواصّ الجسم ، وهو تعالى منزّه عن الجسميّة ولواحقها ( ولا همامة نفس اضطرب فيها ) أي تردّد نفس موجب للاضطراب له تعالى ، كالتردّد والاضطراب الحاصلين لنا عند إقدامنا على فعل من أفعالنا .
وأمّا على ما ذهب إليه الشّارح المعتزلي من كون الهمامة من الاصطلاحات المخصوصة للمجوس والثنويّة ، ففهم معناها موقوف على نقل ما حكاه عنهم .
قال : حكى زرقان في كتاب المقالات ، وأبو عيسى الورّاق ، والحسن بن موسى ، وذكره شيخنا أبو القاسم البلخي في كتابه المقالات أيضا عن الثنويّة : أنّ النور الأعظم اضطربت عزائمه وإرادته في غزو الظلمة والإغارة عليها ، فخرجت من إرادته قطعة وهي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها ، فاقتطعتها الظلمة من النّور الأعظم وحالت بينها وبينه ، وخرجت همامة الظلمة غازية للنّور الأعظم ، فاقتطعها النّور الأعظم عن الظلمة ، ومزجها بأجزائه وامتزجت همامة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 355
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٥