تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وكذلك على روايته بالحاء وجعله بمعنى التّحويل والصّرف ، وعلى جعله بمعنى الايثاب فبمعنى على كما في قوله تعالى : * ( وتَلَّه لِلْجَبِينِ ) * أي عليه ، وأمّا على رواية أجل بالجيم فللتعليل ، وبالحاء فبمعنى في ، على حدّ قوله سبحانه : * ( ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * والضميران في قوله عليه السلام وألزمها أشباحها راجعان إلى الغراير ، ويحتمل رجوعهما إلى الأشياء وانتصاب عالما ، ومحيطا ، وعارفا ، على الحاليّة من الفاعل ، والعامل فيها : ألزم إعمالا للأقرب على ما هو مذهب البصريين . المعنى اعلم أنّه عليه السلام لما ذكر في الفصل السّابق جملة من نعوت الجلال والجمال ، عقّبه بهذا الفصل ، ونبّه فيه على كيفيّة خلقه تعالى للأشياء ، وعلى جملة من صفات فعله وكماله ، فقال : ( أنشأ الخلق إنشاء ) أي خلقهم خلقا من غير مادّة ، أو من غير سبق موجد غيره سبحانه إلى ايجاد مثله ، أو بلا مثال سابق ( وابتدئهم ابتداء ) أي أوجدهم ايجاد الا لعلَّة غائية ، كالاستيناس بهم والوحشة لفقدهم ، أو من غير أن يوجد سبحانه مثلهم ، أو من دون إفاضة صورة الهاميّة عليه سبحانه . ففي هاتين الفقرتين إشارة إلى نفى المشابهة بين صنعه سبحانه وصنع البشر ، وذلك لأن الصّنايع البشريّة إنّما تحصل بعد أن ترسم في الخيال صورة المصنوع وتلك الصّورة تارة تحصل عن مثال خارجيّ يشاهده الصّانع ويحذو حذوه ، وأخرى تحصل بمحض الالهام والاختراع ، فانّه كثيرا ما يفاض على أذهان الأذكياء صور الأشكال لم يسبقهم إلى تصوّرها غيرهم ، فيتصوّرونها ويبرزونها في الخارج ، وكيفيّة صنعه تعالى للعالم منزّهة عن الوقوع بأحد الوجهين . أمّا الأوّل فلأنّه سبحانه قبل القبل بلا قبل ، وكان ولم يكن معه شيء ،