بها بعد الابتداء والايجاد ، من غير تفاوت بين الحالتين ( محيطا بحدودها وانتهائها ) أي بأطرافها ونهاياتها . قال سبحانه في حم السّجدة : * ( أَلا إِنَّه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) * وفسّره بعضهم بشمول الحفظ ، قال الرّاغب أي حافظ له من جميع جهاته ، وبعضهم بشمول العلم ، فقال : أي عالم به ظاهرا وباطنا جملة وتفصيلا ، وقيل ، بل المراد به إحاطته علما وقدرة معا .
وأمّا قوله تعالى : * ( أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) * فالتمييز بالعلم معيّن ، قيل : والإحاطة بالشّيء علما هو أن يعلم وجوده ، وجنسه ، وقدره ، وكيفيّته ، وغرضه المقصود به وبايجاده ، وما يكون هو منه ، وليس ذلك إلَّا الله ( عارفا بقرائنها وأحنائها ) أي نفوسها وجوانبها أو نفوسها وأعضائها والمعرفة هنا مجاز عن العلم ، لما قد مرّ فيما سبق من الفرق بينهما ، وأنّه لا يجوز اطلاقها في الله سبحانه ، فإذا وقع في كلام الإمام عليه السلام لا بدّ من أن يراد بها معناها المجازي ، فيكون عارفا بمعنى عالما ، وعلاقة التجوز واضحة .
تنبيه وتحقيق
وهو أنّ قوله : عالما بها قبل ابتدائها يفيد علمه بجميع الأشياء ، كلياتها وجزئياتها ، وفيه ردّ على من نفاه رأسا فضلّ ضلالا بعيدا ، وعلى من نفى علمه بالجزئيات ، وخسر خسرانا مبينا ، ويفيد أيضا علمه بالموجودات قبل ايجادها وتكوينها ، والشّاهد على ذلك مضافا إلى كلامه عليه السلام الآيات والأخبار المتواترة ، والبراهين العقليّة .
وتوضيح المقام وتفصيله يتمّ برسم أمور .
الأول في بيان الأدلة النّقليّة
فمن الكتاب آيات كثيرة لا تحصى ولنكتف منها بثلاث آيات قال سبحانه في سورة البقرة :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 358
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٨