وأمّا على رواية أجل بالجيم فالمعنى أنّه وقّتها لأوقاتها لا تتقدم عليها ولا تتأخّر عنها قال سبحانه : * ( ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ) * وعلى روايته بالحاء فمعناه أنّه أحلها في أوقاتها ، وعلى أيّ تقدير كان ، فالمقصود انه سبحانه جعل لكلّ شيء وقتا معيّنا ، وزمانا مخصوصا ، بحسب اقتضاء النظام الأكمل ، والنّظم الأصلح ، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه .
( ولائم بين مختلفاتها ) كما أصلح بين العقل الذي هو من عالم الأمر والغيب وبين البدن الذي هو من عالم الخلق والشّهادة ، مع عدم احتياجه في نفسه وفعله إليه أصلا ، وكتوفيقه بين العناصر مع اختلافها وتباينها ، وكجمعه بين النار والثّلج في بعض الملائكة مع التضاد بينهما وتعاندهما ( وغرّز غرايزها ) أي جعل غرائز الأشياء غريزة لها ، كما يقال ، سبحان من ضوّء الأضواء ، والمقصود به أنّ طبيعة كلّ من الأشياء مجبولة عليه ، مطبوعة فيه ، كالفطانة للانسان ، والبلادة للحمار مثلا ( وألزمها أشباحها ) أي جعل غريزة كلّ شيء ، وسجيّته لازمة على شبحه ، وشخصه ، غير منفكة عنه ، كالشّجاعة ، لبعض الاشخاص ، والجبن للآخر ، والسّخاء لشخص ، والبخل لغيره ، وكالحرارة للعسل ، والبرودة للكافور ، إلى غير ذلك من الطبايع اللَّازمة على الأشخاص الغير المنفكة عنها ، فانّ الشجاع لا يكون جبانا ، ولا الجبان شجاعا ، ولا البخيل سخيّا ، ولا بالعكس .
هذا كله على تقدير رجوع الضميرين إلى غرائزها ، وأما على تقدير رجوعهما إلى الأشياء كما يقتضيه سياق سوابقهما فالمعنى أنه تعالى ألزم الأشياء على الأشخاص يعنى أنّ الأشياء بعد ما كان في علمه وقضائه سبحانه على نحو العموم والكليّة ، جعلها لازمة على التشخّصات الجزئية ، وأوجدها في العين في ضمن تلك التشخّصات ، ضرورة أنّ ما لم يتشخص لم يوجد ، وإليه أشير في قوله عزّ وجلّ .
* ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ، وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * هذا وفي بعض النّسخ أشباحها أي أصولها ( عالما بها قبل ابتدائها ) كما أنّه عالم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 357
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٧