الثّالث أن الحمد هو الثّناء على الجميل الاختياري ، تقول : حمدته على كرمه ، ولا تقول : على حسنه ، والمدح يعم الاختياري وغيره .
وأما الشكر فربما يعرّف بأنّه تعظيم المنعم من حيث انّه منعم على الشّاكر ، فيكون أخصّ من الحمد من وجه واعم منه بوجه آخر .
أمّا الأوّل فلأنّ الشكر لا يكون الَّا على النّعمة الواصلة إلى الشاكر ، والحمد يكون على النّعمة وغيرها ، وعلى النّعمة العائدة إلى الحامد وغيرها وأمّا الثّاني فلأن الحمد لا يكون إلَّا باللَّسان ، والشكر يكون باللَّسان والجوارح والقلب ، قال الشّاعر :
أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
أقول : هكذا فرق جماعة بينهما منهم الزّمخشري والتّفتازاني والبيضاوي وغيرهم ، إلَّا أن تخصيص مورد الحمد باللَّسان يشكل بقوله سبحانه : * ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) * اللَّهمّ إلَّا أن يراد باللَّسان الأعم من لسان الحال ولسان المقال ، بعنوان عموم المجاز ، فانّه سبحانه حيث بسط بساط الوجود على أفراد الممكنات وآحاد الموجودات ، ووضع عليه موائد كرمه وألطافه التي لا تتناهى ، فكلّ ذرّة من ذرات الوجود لسان حال ناطق بحمده ، ونظيره إرادة الخضوع التكويني والافتقار الذّاتي من السّجود الظاهر في وضع الجبهة في قوله تعالى : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَه مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبالُ و ) * .
فان قلت : سلَّمنا هذا كله ولكنّك ما تصنع بقوله : ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، فان التّسبيح والحمد بلسان الحال مفقوه معلوم قلنا : الخطاب للمشركين ، وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السّماوات والأرض قالوا : اللَّه ، إلَّا أنّهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنّهم لم ينظروا ولم يقرّوا ، لأنّ نتيجة النّظر الصحيح والاقرار الثّابت خلاف ما كانوا عليه ، فاذن لم