فقد ظهر من هذا كلَّه أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق ، ولا يقاس به كلام أحد في النّظم مع عظم الفحوى ، فهو عليه السلام الفارس المجلى في ميدانه ، والنّاطق الذي تقرّ الشّقاشق عند بيانه ، والبحر الذي يقذف بجواهره ، ويحكم على القلوب باتّباع نواهيه وأوامره ، ويدلّ على الخيرات بترغيباته ، وينهى عن المنكرات بروادعه وترهيباته ، فحقيق بكلامه عليه السلام أن يجعل أمام الكلام كما انّه عليه السلام امام الأنام .
قال السّيد ( ره ) : ( فأجبتهم إلى الابتداء بذلك ، عالما بما فيه من عظيم النفع ) للطالبين ( ومنشور الذكر ) اى الذكر الجميل ولسان الصّدق لي في الدّنيا ( ومدخور الأجر ) اى الأجر الجزيل والثواب المدخور في الآخرة ( واعتمدت ) اى قصدت ( به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة ) اى فضيلة البلاغة حال كونها ( مضافة إلى المحاسن الدّثرة ) الكثيرة ( والفضائل الجمّة ) المعظمة ( و ) ابيّن ( أنّه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها ) اى غاية هذه الفضيلة ( من جميع السّلف الأولين الذين انّما يؤثر ) اى ينقل ويروى ( عنهم منها القليل النّادر والشّاذ الشّارد ) استعار لفظ الشّاذ والشّارد الذين هما من صفات الحيوان : للكلمات البليغة المأثورة عن السّلف بقلتها وندرتها الموجبة لانفرادها من أمثالها ، وخروجها عن نظامها ، فان الشاذ هو الحيوان المنفرد الذي لا يصحب أمثاله ، والشّارد من البعير النّافر الخارج عن نظام الإبل ( وأمّا كلامه عليه السلام فهو البحر الذي لا يساجل ) اى لا يغالب ولا يفاخر عليه في الامتلاء والكثرة ، أو أنّه البحر الذي ليس له ساحل ( والجم الذي لا يحافل ) اى الكثير الذي لا يعارض ولا يبادى ( وأردت أن يسوغ لي ) اى يجوز ، أو استعارة تبعيّة حيث استعير لفظ السّوغ الذي هو من أوصاف الشّرب ، للتمثل ، وهو من استعارة المحسوس للمعقول ، والجامع انّ في المستعار منه لذّة للشّاربين وفي المستعار له التذاذ للمتمثل في ( التمثل في الافتخار به صلَّى اللَّه عليه وآله بقول الفرزدق ) .
( أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع )