والمتانة والجزالة والحلاوة والطلاقة والرّقة والسلاسة ما قضيت منها العجب ، بل لا زلت معجبا بها أشدّ الاعجاب ، مشعوفا بلطائف لم يخرق على مثلها للسمع حجاب ، وعرفت أنّها لم تصدر إلَّا عن ذي عارضة قويّة ، وقريحة ملكوتية .
وإن نظرت إلى جانب المعنى عرفت عظم قدره ، وبعد غوره ، وشرف جوهره ، واحتوائه لأنواع العلوم ، وإبانته عن السّر المكتوم ، وحكايته عن خبيّات الموجودات ، وروايته عن خفيات المصنوعات ، وتوضيحه ما أشكل ، وتفصيله ما أجمل ، وتفسيره ما أعضل .
فمن اين لغيره عليه السلام هذه المادّة التي عبّرت هذه الألفاظ عنها .
ومن اين يعرف أهل الجاهليّة الجهلاء ، والعرب العرباء الذين هم سند البلاغة وعليهم استنادها هذه المطالب الغامضة ، ليسفروا عن خمارها ، أو يغوصوا في غمارها ، ومنتهى فصاحة أهل الجاهلية أنّهم يصفون بعيرا أو فرسا أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ، ونحو ذلك .
وأمّا غيرهم من الاسلاميّين كبديع الزّمان وعلَّامة همدان وأبي محمّد الحريري وابن نباتة وسحبان الوائلي ومن حذا حذوهم مع شدة ذكائهم ، وغاية براعتهم ، وانتقادهم ، واشتهارهم في حسن الصّياغة ، ترى كلامهم متضمّنا لأباطيل اللَّغو ، وأضاليل اللَّهو ، ومشتملا على الجدّ والهزل ، والرّقيق والجزل ، مفرغا في قالب الصّياغة على نهج التكلف ، حيث ألجأهم رعاية الاسجاع والجناس ، ولحاظ التّطبيق والتّرصيع والمقابلة ونحوها إلى أن جعلوا المعاني تبعا للألفاظ ، مع أنّ البليغ لا بدّ وأن يجعل اللَّفظ قالبا للمعنى ، فانّ اللَّباس يقطع على قدر القامة ، وعلى حد السّيف يؤخذ الغمد ، فانّ المعاني إذا أرسلت على سجيّتها لم تكتس إلَّا ما تليق بها ، ولا تتلبّس الَّا ما يزيّنها ، ومن تكلف لابداع المحاسن ، أطلق على نفسه لسان العتب ، مع ما تحمله من التّعب وأفضى به طلب الاحسان ، إلى أشنع القبح ، وأوقعه الولوع بالثّنآء عليه في ورطة القدح .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 270
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٧٠