وبهذا ظهر لك أيضا انّ ما قيل انّ العالي لا يريد السّافل ولا يلتفت اليه والَّا لزم كونه مستكملا بذلك السّافل لكون وجوده أولى من عدمه والعلَّة لا تستكمل بالمعلول مدفوع وجه الدّفع هو انّ المراد بالمحبّة والالتفات المنفيّين عن العالي بالنّسبة إلى السّافل هو ما هو بالذّات وعلى سبيل القصد لا ما هو بالعرض وعلى سبيل التَّبعيّة فلو احبّ الواجب تعالى فعله واراده لأجل كونه اثرا من آثار ذاته ورشحا من رشحات فيضه وجوده لا يلزم من احبّه تعالى لذلك الفعل كون وجوده بهجة وخيرا له تعالى بل بهجته انّما هي بما هو محبوبه بالذّات وهو ذاته المتعالية الَّتى كلّ كمال وجمال رشح ، وفيض من كماله وجماله .
نقل بعض الفلاسفة انّه قرء القارى بين يدي الشّيخ أبي سعيد ابن أبي الخير قوله تعالى : * ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه ُ ) * ، فقال الشّيخ الحقّ انّه يحبّهم لانّه لا يحبّ الَّا نفسه فليس في الوجود الَّا هو وما سواه من صنعه والصّانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه ومن هذا يظهر حقيقته ما قيل لولا العشق ما يوجد سماء ولا ارض ولا برّ ولا بحر .
والغرض انّ محبّة اللَّه للخلق عائده اليه فالمحبوب والمراد بالحقيقة نفس ذاته تعالى لذاته كما انّك إذا أحببت انسانا فتحبّ آثاره لكان محبوبك بالحقيقة ذلك الانسان كما قيل .
وما حبّ الدّيار شعفن قلبي
ولكن حبّ من سكن الدّيارا
فظهر بذلك كلَّه انّ الغرض من ايجاد العالم له تعالى ليس امرا