جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } ( 1 ) .
دلت الآية على أن الإمامة لأجيال الناس مقام رباني عظيم ، لم يبلغه نبي الله
إبراهيم ( عليه السلام ) إلا بعد نجاحه في ابتلائه بكلمات ، منها امتحانه بإلقائه في نار نمرود ،
ومنها اسكان زوجته وولده في واد غير ذي زرع ، ومنها اختباره باستعداده لذبح
ولده إسماعيل .
فبعد أن وصل إبراهيم إلى مراتب النبوة ، والرسالة ، والخلة ، وبعد أن ابتلى
بكلمات فأتمهن ، قال له الله تعالى : { إني جاعلك للناس إماما } ، وبسبب عظمة هذا
المقام طلبه إبراهيم لذريته فأجابه الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } .
وعبر الله تعالى عن الإمامة ب ( عهد الله ) الذي لا يناله إلا المعصوم ، إذ لا شك
أن إبراهيم لم يسأل الإمامة لجميع ذريته ، فإنه لا يمكن أن يسأل خليل الله من
العدل الحكيم الآمر بالعدل والإحسان الإمامة للمتلبس بالظلم والعصيان ، فكان
دعائه للعدول من ذريته ، ولما كان طلبه عاما لمن هو عادل بالفعل وإن تلبس
بالظلم في الماضي كان المقصود من الجواب عدم الاستجابة بالنسبة إلى هذا
القسم من الذرية العدول ، فدلت الآية الشريفة أن الإمامة المطلقة مشروطة -
بحكم العقل والشرع - بالطهارة والعصمة المطلقة ، فهيهات أن ينالها من عبد
اللات والعزى ، وأشرك بالله العظيم ، وقد قال سبحانه : { إن الشرك لظلم عظيم } ( 2 ) .
الآية الثالثة : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم } ( 3 ) ، فقد عطف في الآية " أولي الأمر " على " الرسول " ، ومع أن العطف في
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 124 .
( 2 ) سورة لقمان : 13 .
( 3 ) سورة النساء : 59 .