فانظر كتبهم في الرجال وفي الجرح والتعديل ، مثل : لسان الميزان والجرح
والتعديل للرازي ، وتدبر في كلماتهم في شأن أبي مريم الأنصاري ، الذي روى هذا
الحديث في عصر كان رواية مثله من أكبر الجرائم السياسية ، وانظر هل تجد في ذلك
الرجل موضع غمز وتنقيص إلا الموالاة ومودة ذوي القربى ، ورواية مثل هذه الرواية ؟
فلا تجد غير ذلك سببا لتركهم حديثه وحديث أمثاله ، فرموه لذلك تارة بالكذب ،
وتارة بعدم الوثاقة ، وعلته الأصلية هو التشيع وروايته أحاديث الفضائل . فهذا أحمد
بن حنبل يقول فيه ، كما نقله الرازي عنه في الجرح والتعديل ( انه ليس بثقة ، كان يحدث
ببلايا في عثمان ) ويقول ( هو متروك الحديث ، كان من رؤساء الشيعة ) . وفي لسان الميزان
قال ( يقال : كان من رؤوس الشيعة ) . ثم أخرج عنه حديث ( علي مولى من كنت مولاه ) .
فهذا ذنب الرجل أنه أولا ، كان يحدث ببلايا في عثمان ، وثانيا ، أنه كان من رؤساء
الشيعة . وإذا كان الحديث ببلايا عثمان موجبا للقدح في أحد ، فما يقولون في عايشة
وطلحة والزبير وعمار وغيرهم من الصحابة ، الذين كانوا من المتجاهرين في القوم
ببلايا عثمان وذمه المشيرين عليه حتى قتل ؟ وإذا كان عثمان أحدث في الاسلام ما
أحدث ، وصنع ما أغضب الصحابة مثل الصحابي الزاهد الكبير الذي قال
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حقه ( ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من
أبي ذر ) ، فأنكر عليه صنائعه غير المرضية ، فنفاه عثمان إلى الربذة ، فمات في منفاه وحيدا
مظلوما ، فما ذنب أبي مريم الأنصاري ان حدث ببلاياه ؟ وإن كان هذا سببا للطعن فيه ،
فمن كان هذه بلاياه أحق وأولى بالطعن منه .
أتريدون أن لا يقول أحد من التاريخ ومما جرى على هذه الأمة شيئا ؟ ولا يعرف
أحد ما وقع في عصر الصحابة ؟ ولا يفهموا تلكم الحقائق التي ترتبط معرفتها بمعرفة
رسالة الاسلام ، ومناهجها العالية في السياسة والحكومة والمال وغيرها ؟ لا والله ،
لا يمكن ذلك ، وإن أمكن اخفاء تلك الحقائق التاريخية في العصور الماضية ، لا يمكن ذلك
في عصرنا الحاضر ، عصر الطباعة والنشر ، والثقافة والتفكر ، الذي تيقظ فيه المسلمون
من رقدتهم ، وأدركوا سيما الشبان المثقفون ، أن بلاءنا كله يرجع إلى صنائع بعض الأولين
من أهل السياسة مما شوه وجه الاسلام في الحكم والإدارة .
مجموعة الرسائل — صفحة 78
مساهمون: الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
ص٧٨