وقال ابن كثير : ( وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم ، الا أنه لم يذكر ابن عباس فيها ،
فالله أعلم . وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي
وربيعة بن ناجذ عن علي ، نحو ما تقدم ، أو كالشاهد له . ) ( 1 )
فابن كثير كما يظهر من كلامه يقوي ضعف السند من طريق الطبري بغيره مما
لا ضعف فيه ، إلا أنه أيضا غلط في أصل تضعيف السند كغيره ، كما أنه غلط غلطا كبيرا
في الحكم على عبد الغفار بن القاسم بأنه كذاب شيعي ، ولم يأت بدليل على ذلك غير أن
ابن المديني وغيره اتهمه بوضع الحديث ، وضعفه الباقون .
ولا يخفى أن من يتق الله ، ويعتقد حرمة عرض المسلم كحرمة ماله ودمه ، لا يخوض
في عرض المسلم بمجرد التهمة ، ولا يسئ الظن به ، ولا يجوز له أن يقول أزيد مما قيل
فيه . إذا وجب ذلك ، فمن أين قلت يا بن كثير أنه كذاب ؟ وما كذبه ؟ ومن أين علمت
ذلك ؟ وما جوابك حين يخاصمك عبد الغفار عند الله تعالى ( 2 ) ؟ !
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 3 ص 40 .
( 2 ) لا يخفى عليك أن أرباب الرجال والتراجم والفهارس من الشيعة ، المشهورين بكمال التورع والاحتياط ،
سيما في الجرح والتعديل ، صرحوا بوثاقة هذا الشيخ الجليل ( أبي مريم عبد الغفار بن القاسم القيس الأنصاري )
والرجل من أصحاب الإمام زين العابدين علي بن الحسين وابنه الإمام محمد بن علي الباقر وابنه الإمام جعفر
بن محمد الصادق ( عليهم السلام ) ، ويكفيه ذلك فخرا وشرفا وفضلا . توجد ترجمته في فهرست الشيخ ورجاله ،
وفهرست النجاشي ، والخلاصة للعلامة ، ورجال ابن داود والكشي ، والوجيزة ، والبلغة ، وجامع الرواة
وغيرها .
ومما يؤيد حسن حال الرجال ، ويزيد في تعرف حالهم معرفة شيوخهم وتلاميذهم ومن أخذ عنهم العلم ،
وللرجل في هذا شأن سامي ومكان عال ، فان شيوخه الذين أخذ العقيدة والمذهب منهم ، واتخذهم أئمة وتمسك
بهم ، واعتصم بحبل ولايتهم الذي حبل الله ، هم من عرفتهم : الإمام زين العابدين والإمام باقر علوم النبيين
والإمام جعفر الصادق ( عليهم السلام ) ، فقد تخرج هذا الرجل من مدرستهم الكبيرة ، وتلمذ عندهم ، وأخذ العلم من
نميرهم الصافي ( يراجع جامع الرواة ، والكشي ، والنجاشي وغيرها ) .
وقد روى الحديث عن عطاء ، وعدي بن ثابت ، والمنهال بن عمرو ونافع ( الجرح والتعديل للرازي ج 3 ،
ص 53 ) وسمع منه يحيى بن سعد الأنصاري ، وشعبة ، وكان حسن الرأي فيه ( الجرح والتعديل ، ج 3 ،
ص 53 و 54 ) وروى عنه جماعة من الأجلاء والرواة ، كالحسن بن محبوب ، ومحمد بن موسى خوراء ،
وصالح بن عقبة ، وموسى بن بكر ، وعلي بن الحسن بن رباط ، وأبو ولاد ، وأبان بن عثمان ، وهشام بن
سالم ، وعلي بن النعمان ، وعثمان بن عيسى ، وعبد الله بن المغيرة ، وثعلبة بن ميمون ، ويونس بن يعقوب ،
والقاسم بن سليمان ، وعبد الرحمن بن حماد ، ومحمد بن أبي حمزة ، ومحمد بن عيسى ، والعباس بن المعروف ،
وسيف ، وفضالة ، وإبراهيم بن سنان ، وظريف ، وأحمد بن عمر ، وجميل بن صالح والحسن بن سري
( جامع الرواة ج 1 ، ص 461 و 462 ) .
ومما يظهر منه جلالة قدره ، وحسن عقيدته ، وايمانه بالأئمة الاثني عشر - الذين بشر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، الأمة بهم ،
كما جاء في الروايات المتواترة - ما روى الشيخ الجليل أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز في كتاب
( كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر ) بسنده عنه ، قال ( أبو مريم الأنصاري ) :
( دخلت على مولاي الباقر ( عليه السلام ) وعنده أناس من أصحابه ، فجرى ذكر الاسلام ، قلت : يا سيدي ! فأي
الاسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، قلت : فأي الأخلاق أفضل ؟ قال : الصبر
والسماحة ، قلت : فأي المؤمنين أكمل ايمانا ؟ قال أحسنهم خلقا ، قلت : فأي الجهاد أفضل ؟ قال : من عقر
جواده واهريق دمه ، قلت : فأي الصلاة أفضل ؟ قال : طول القنوت ، قلت : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : أن
تهجر ما حرم الله عز وجل عليك ، قلت : يا سيدي ! فما تقول في الدخول على السلطان ؟ قال : لا أرى ذلك ،
قلت : اني ربما سافرت إلى الشام ، فأدخل على إبراهيم بن الوليد ، قال : يا عبد الغفار ! إن دخولك على
السلطان يدعو إلى ثلاثة أشياء : محبة الدنيا ، ونسيان الموت وقلة الرضا بما قسم الله لك ، قلت : يا بن
رسول الله ! فاني ذو عيلة وأتجر إلى ذلك المكان لجر المنفعة ، فما ترى في ذلك ؟ قال : يا عبد الله ! اني لست
آمرك بترك الدنيا ، بل آمرك بترك الذنوب ، فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة ، وأنت إلى إقامة
الفريضة أحوج منك إلى اكتساب الفضيلة ، قال : فقبلت يده ورجله وقلت : بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ،
فما نجد العلم الصحيح إلا عندكم ، واني قد كبرت سني ورق عظمي ، ولا أرى فيكم ما أسر به ، أريكم مقتلين
مشردين خائفين ، واني أقمت على قائمكم منذ حين .
أقول أخرج اليوم أو غدا ، قال : يا عبد الغفار ! إن قائمنا هو السابع من ولدي ، وليس هو أو ان ظهوره ،
ولقد حدثني أبي ، عن أبيه ، عن آبائه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ( إن الأئمة بعدي اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل
، تسعة من صلب الحسين ، والتاسع قائمهم يخرج في آخر الزمان ، فيملأها قسطا وعدلا بعد ما
ملئت جورا وظلما . ) قلت : فان هذا كائن يا بن رسول الله ، فإلى من بعدك ؟ قال : إلى جعفر ، وهو سيد
أولادي وأبو الأئمة صادق في قوله وفعله ، ولقد سألت عظيما يا عبد الغفار ، وإنك لأهل الإجابة ، ثم قال :
ألا ان مفتاح العلم السؤال ، وأنشأ يقول :
شفاء العمى طول السؤال وانما * تمام العمى طول السكوت على الجهل
منتخب الأثر