تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
ولم تكن دوافع الإمام في اعتزاله وعزوفه عن العمل السياسي التأثر بدوافع زهدية ، أو لأنّ ذلك لا يعنيه ، بل باعتبار أنّ تقلّبات الأحداث فرضت وضعاً سياسياً معيّناً ، ولعدم ثقته بالقوى التي يفترض فيها أن تكسب الجولة الأخيرة في الصراع ، أدّى إلى أن يفقد الإمام دوره الطليعي الطبيعي في وسط الصراع ، فهو حين لا يملك مبرّرات التحرّك الثوري ونتائجه الإيجابية لنفسه ، فمن البديهي أن لا يملك المبرّر لتحمّل مسؤولية التغيير ، الذي لا يتحرّك من منطلقات رسالية مخلصة ، بل من منطلقات غريزية وذاتية ، ظهرت آثارها على تصرّفات الحكم وسلوكه فيما بعد ، فكرّس حياته كوالده ( عليهما السلام ) ، واشتغل في تعليم المسلمين وبثّ معارف الدين ومعالم الرسالة المحمدية السمحاء ، وبثّ علوم آل محمد ، ومنهاج السماء الذي ورثه عن آبائه كابراً عن كابر . جرت الأُمور مجراها الطبيعي للغالبين على الحكم ، يطوون أضلاعهم على الخوف ، والحقد والحذر من الذين رفعوا شعارهم ، ويشهرون أسلحتهم في كلّ مكان على الشبهة والظنّة للمحافظة على دولتهم وعروشهم المزيّفة وبقائها ، وكان ذوو القربى في طليعة أُولئك الذين اتّخذوا الحذر منهم ، وجعلوهم هدفاً لسهامهم ، لأنّهم يدركون أحقّيتهم بالخلافة وشعور المسلمين اتّجاههم ، فأسعر العباسيون الشحناء عليهم دون هوادة وسالت الدماء بينهم . والإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) لعلمه المسبق بنفسية الغاصبين وتصميمهم على البقاء في الحكم مهما كانت النتائج ، وترّفع الإمام وعزوفه واستعلائه عن هذا الصراع المرير جنّبه تلك المذابح ، ولكن بُعْدَه عنها لا يقيه بطش الحاكم الجبّار الحذر المتنمّر الذي تدعوه نفسه الشرّيرة إلى المواجهة الشرسة ، وما توسوس له هواجسه الخبيثة ، مخافة أهل البيت وشيعتهم .