ولم تكن دوافع الإمام في اعتزاله وعزوفه عن العمل السياسي التأثر بدوافع
زهدية ، أو لأنّ ذلك لا يعنيه ، بل باعتبار أنّ تقلّبات الأحداث فرضت وضعاً
سياسياً معيّناً ، ولعدم ثقته بالقوى التي يفترض فيها أن تكسب الجولة الأخيرة
في الصراع ، أدّى إلى أن يفقد الإمام دوره الطليعي الطبيعي في وسط الصراع ،
فهو حين لا يملك مبرّرات التحرّك الثوري ونتائجه الإيجابية لنفسه ، فمن البديهي
أن لا يملك المبرّر لتحمّل مسؤولية التغيير ، الذي لا يتحرّك من منطلقات رسالية
مخلصة ، بل من منطلقات غريزية وذاتية ، ظهرت آثارها على تصرّفات الحكم
وسلوكه فيما بعد ، فكرّس حياته كوالده ( عليهما السلام ) ، واشتغل في تعليم المسلمين
وبثّ معارف الدين ومعالم الرسالة المحمدية السمحاء ، وبثّ علوم آل محمد ،
ومنهاج السماء الذي ورثه عن آبائه كابراً عن كابر .
جرت الأُمور مجراها الطبيعي للغالبين على الحكم ، يطوون أضلاعهم
على الخوف ، والحقد والحذر من الذين رفعوا شعارهم ، ويشهرون أسلحتهم
في كلّ مكان على الشبهة والظنّة للمحافظة على دولتهم وعروشهم المزيّفة وبقائها ،
وكان ذوو القربى في طليعة أُولئك الذين اتّخذوا الحذر منهم ، وجعلوهم هدفاً
لسهامهم ، لأنّهم يدركون أحقّيتهم بالخلافة وشعور المسلمين اتّجاههم ، فأسعر
العباسيون الشحناء عليهم دون هوادة وسالت الدماء بينهم .
والإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) لعلمه المسبق بنفسية الغاصبين وتصميمهم
على البقاء في الحكم مهما كانت النتائج ، وترّفع الإمام وعزوفه واستعلائه
عن هذا الصراع المرير جنّبه تلك المذابح ، ولكن بُعْدَه عنها لا يقيه بطش الحاكم
الجبّار الحذر المتنمّر الذي تدعوه نفسه الشرّيرة إلى المواجهة الشرسة ، وما توسوس
له هواجسه الخبيثة ، مخافة أهل البيت وشيعتهم .
موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 228
مساهمون: حسين الشاكري
ص٢٢٨