وكان من أبرز هذه الجولات في سبيل مناوأته لعليّ وأولاده ولمبادئهم
وأهدافهم ، أنّه فرض لعنهم في جميع البلدان الخاضعة لنفوذه ، بما ينطوي تحت مفاد
" اللعن " من إنكار حقّهم ، ومنع رواية الحديث في فضلهم ، وأخذ الناس بالبراءة
منهم ، فكان - بهذا - أوّل من فتح باب اللعن في الصحابة ، وهي السابقة التي
لا يحسده عليها مسلمٌ يغار على دينه ، وتوصّل إلى استنزال الرأي العام على إرادته
في هذه الأُحدوثة المنكرة ، بتدابير محبوكة ، تبتعد عن مبادئ اللّه عزّ وجلّ ،
بمقدار ما تلتحم بمبادئ معاوية .
وإنّ من شذوذ أحوال المجتمع ، أنّه سريع التأثّر بالدعاوات الجارفة القوية
- مهما كان لونها - ولا سيّما إذا كانت مشفوعة بمطامع المال ومطامع الجاه من جهة ،
والإرهاب والتنكيل من جهة أُخرى .
وما يدرينا بِمَ رضي الناس من معاوية ، فلعنوا معه عليّاً وحسناً
وحسيناً ( عليهم السلام ) ؟ وما يدرينا بماذا نقم الناس على أهل البيت فنالوا منهم كما شاء
معاوية أن ينالوا ؟ !
ربما يكون قد أقنعهم بأنّ عليّاً وأولاده ، هم الذين حاربوا النبيّ ( صلى الله عليه وآله )
إبان دعوته ، وإنّهم هم الذين حرّموا ما أحلّ اللّه وأحلّوا ما حرّم اللّه ، وهم الذين
ألحقوا العهار بالنسب ، وهم الذين نقضوا المواثيق وحنثوا بالأيمان ، وقتلوا كبار
المسلمين صبراً ، ودفنوا الأبرياء أحياءً ، وصلّوا الجمعة يوم الأربعاء ( 1 ) .
وربما يكون قد أطمعهم دون أن يقنعهم ، وربما يكون قد أخافهم دون أن
يطمعهم ، فكان ما أراد " وارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن عليّ سنّةً
هامش
( 1 ) يراجع عن هذا : مروج الذهب 2 : 72 ، وعن غيره ممّا ذكر قبله .