من أنّه " حَبر الدهر وناموسه ، وحجّة المعبود وترجمانه ، وعَيبة علمه ، وميزان
قسطه ، ومصباحه الذي يقطع به الطالب عرض الظلمة إلى النور ، وأنّ اللّه لا يقبل
من عامل جهل حدّه في الدنيا عملا ، ولا يرفع له يوم القيامة وزناً " .
ثم قال له : فنسبوك إلى غير حدّك ، وقالوا فيك ما ليس فيك .
فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " أنا فرع من فروع الزيتونة ، وقنديل من قناديل
بيت النبوّة ، وأديب السفَرَة ، وربيب الكرام البَرَرة ، ومصباح من مصابيح المشكاة
التي فيها نور النور ، وصفو الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر " .
فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال : " هذا قد أحالني على بحر موّاج لا يُدرك
طرفه ولا يُبلغ عمقه ، يحار فيه العلماء ، ويغرق فيه السبحاء ، ويضيق بالسابح عرض
الفضاء ، هذا الشجا المعترض في حلوق الخلفاء ، الذي لا يجوز نفيه ، ولا يحلّ قتله ،
ولولا ما يجمعني وإيّاه شجرة طاب أصلها ، وبسق فرعها ، وعَذُب ثمرها ،
وبوركت في الذرّ وقدّست في الزُبُر ، لكان منّي إليه ما لا يحمد في العواقب ، لما يبلغني
من شدّة عيبه لنا وسوء القول فينا . . . " ( 1 ) .
ويستنبط من هذا الموقف عدّة أُمور منها :
1 - أنّ المنصور يريد أن لا يظهر الإمام الصادق ( عليه السلام ) بمظهر الإمامة ،
لأنّ العباسيين وصلوا إلى الحكم باسم الإمامة والخلافة ، وإظهار دعوة أهل
البيت ( 2 ) . وهو يعلم أنّ الإمام الصادق لن يجابهه بالردّ حذر سطوته .
هامش
( 1 ) أمالي الصدوق : 490 و 491 . والمجلسي ؛ بحار الأنوار 11 : 167 و 168 .
( 2 ) تأريخ الطبري 7 : 425 - 431 . والدينوري ؛ الأخبار الطوال : 378 . والمقدسي ؛ البدء
والتأريخ 6 : 59 . والشهرستاني ؛ الملل والنحل 1 : 51 .