فقال الإمام : وكيف يكون قولك وقولهم واحداً ، وهم يقولون إنّ لهم معاداً
وثواباً وعقاباً ويدينون بأنّ في السماء إلهاً وإنّها عمران ، وأنتم تزعمون أنّ السماء
خراب ليس فيها أحد .
قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه
ويدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف عليه منهم اثنان ؟ ولِمَ احتجب عنهم وأرسل
إليهم الرسل ، ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟
فقال الإمام : ويلك يا عبد الكريم ، كيف احتجب عنك من أراك قدرته
في نفسك ، نشوؤك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوّتك بعد ضعفك ، وضعفك
بعد قوّتك ، وسقمك بعد صحّتك ، وصحّتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ،
وغضبك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبّك ، وعزمك بعد أناتك ، وأناتك بعد عزمك ،
وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، ورهبتك
بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن
في وهمك ، وغروب ما أنت معتقده في ذهنك ، وما زال يعدّد عليّ قدرته التي
هي في نفسي حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما بيني وبينه ( 1 ) .
وينهزم ابن أبي العوجاء أمام هذا المنطق الفطري الرائع ، ويؤخذ لا شعورياً
ببساطة الحجة التي أغلقت على نفسه منافذ الشكّ والاعتراض ، فتعقد الحيرة لسانه ،
ويختلط عليه موقف الحوار ، وتصوّر أنّ الذي يحاوره إنسان ولكن ليس من جنس
البشر .
وقد حاول الإمام في حواره أن يحتكم إلى رؤيا واقع مصيري ، تنعكس
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 74 - 75 .