وقد وجدت هذه الشائعة تطبيقها العملي في مجال العطاء ، فقد كان رسول
الله يقسم المال بين الناس بالسوية ، لا فضل في ذلك لعربي على أعجمي ، ولا لمهاجري
على أنصاري ، ولا لصريح على مولى ، لأن حاجات أبناء البشر الأساسية متشابهة ،
وقد أصبح عمل الرسول هذا سنة فعلية ، وبقي معمولا به حتى مع سيطرة التحالف على
مقاليد الأمور طيلة عهد أبي بكر ، ولكن حينما تسلم عمر مقاليد الأمور رأى أن سنة
الرسول هذه ليست مناسبة ، فلا يعقل أن تكون قريش كالأنصار ، والعرب كالعجم ،
والصرحاء كالموالي ، ومن هنا ألغى التسوية في التوزيع ، وفضل العرب على العجم ،
والمهاجرين على الأنصار ، والصرحاء على الموالي ، مخالفا بذلك سنة رسول الله عن علم وعمد .
وكانت نتيجة عمله هذا أنه غرس بذور الطبقية في المجتمع المسلم ، وأشعل
نار الصراع القبلي بين ربيعة ومضر ، والأوس والخزرج ، والعرب والعجم ، والصرحاء
والموالي ( 47 ) .
نجح عمر بإلغاء سنة الرسول صلى الله عليه وآله وإحلال سنته الشخصية محلها ، لكنه
اكتشف بعد تسع سنين أن رسول الله أهدى من عمر ، بعد أن شاهد بعض الآثار
المدمرة لسنته التي فرضها بالقوة ، وأعلن عزمه على الرجوع إلى سنة رسول الله ،
فقال : " إن عشت هذه السنة ساويت بين الناس ، فلم أفضل أحمر على أسود ،
ولا عربيا على أعجمي ، وصنعت كما صنع رسول الله وأبو بكر " ( 48 ) .
وعلى الرغم من ندم عمر واعترافه بخطئه ، فإنهم أخذوا بعد مماته يلتمسون
له أعذارا عجيبة لا يقرها أي عقل ، كقول القوشجي : " إن ذلك ليس مما يوجب
قدحا فيه ، فإنه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية " ( 49 ) ، أي أنه لا
حرج على عمر في مخالفة رسول ، لأن كليهما مجتهد .
واعتذر ابن أبي الحديد عن تخلف أبو بكر وعمر عن جيش أسامة بأن
المواجهة مع رسول الله ( الخلاصة ) — صفحة 77
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص٧٧