معه على هذا الفرض وعلى مبلغه من العلم فيه لقلنا فيه أن عليا من أفصح بيت في العرب وأعلاهم ذروة في البلاغة وقد منح لسانا طلقا وفكرة وقادة وفهما ثاقبا وقد ربي ودرج مع أفصح من نطق بالضاد حتى صارت الفصاحة من غرائزه وملكاته فلا يتكلم إلا بالفصيح والأفصح والبليغ والأبلغ ولا يحتاج في صوغ الألفاظ ونظمها إلى تأنق ولا اعمال فكر وروية بل تنقاد له أزمة الكلام العالي طوعا بلا تكلف وتجري معه صعابه طبعا وعادة فلا يشغله حرب ولا جهاد ولا يصده جدال ولا جلاد ، وقد فات هذا الكاتب ان الحروب والفتن مما تنبه الخواطر وتهيج النفوس وتدعو الأمير والقائد إلى الاستنهاض والاستنفار وإثارة العزائم والوعد والوعيد والحث والتهييج والوعظ والارشاد وإقامة الحجة والبرهان وغير ذلك من المقاصد والأغراض وكان ينبغي ان ينتشر عنه عليه السلام من الخطب والمقالات والكتب والرسائل والحكم والنصائح أكثر مما تناقلته الصحف وأثبتته الرواة لأن أيام خلافته الظاهرية أكثرها أيام أمور هائلة تشحذ اللسان وتصقل الافكار والخواطر وكان عليه السلام يصرف أيام حياته وأوقات صحته ونشاطه في الأمور التي نوهنا عنها لا يشغله عن أمر الاصلاح الديني والنجاح الحقيقي وإعلاء كلمة الحق وإزهاق الباطل لذة من لذائذ الدنيا ولا شهوة من شهواتها بسنانه ولسانه وأقواله وأفعاله يعترف له بذلك المبغض والودود والوامق والحسود ومن قرأ كتب التأريخ يقف على ذلك . واما قوله : » لا يكتبه إلا رجل متأنق حرفته صوغ الكلام « فهو كلام رجل قليل الخبرة بأحوال العرب وبما منحهم اللَّه من الفصاحة وعلمهم من البيان ، والعرب كانت ترتجل الشعر الرجز والقصيد وتقوله بداهة وبلا روية وقد ذكر ابن ظافر من ذلك شيئا كثيرا وإذا كان الشعر وهو أشد كلفة وأكثر قيودا من النثر المسجوع مما ترتجله العرب وتقوله بلا روية ولا يعجزها أمره ولا يأبى عليها صعبه وإن لم يكن لها ذلك حرفة ولا عمله صنعة فكيف بالنثر المسجوع وهو أهون من النظم وأقل كلفة وأسهل مئونة أفيستبعد بعد هذا من إمام البلاغة ومالك أزمة الفصاحد الذي يقول فيه عدوه : » لو جمعت ألسن الناس فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان ( علي ) « ان يرتجل الكلام المنثور الذي يتفق فيه السجع ، ولا يستبعد ارتجال الشعر والخطب من أذناب العرب وصعاليكهم ، واما خطبه في التوحيد والعدل والمباحث الالاهية التي لم تعرف إلا من كلامه عليه السلام كما نبه على ذلك عبد الحميد في شرحه ( ص
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 222
مساهمون: الشيخ هادي كاشف الغطاء
ص٢٢٢