تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدرك نهج البلاغة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
والأميال لسبب من الأسباب أو حصول الرقي بواسطة انتشار العلوم أو غير ذلك من الدواعي والاغراض وربما يوجد في أهل عصر واحد من ينفرد بطريقة ويختص بأسلوب لا يوجد في كلام الفرد الآخر من أهل ذلك العصر فعليك بالتروي في هذا المجال وإمعان النظر فيه فإنه يحتمل من المقال أكثر مما حررناه لكن الوقت لم يتسع لبسط القول فيه ، ولا ينبغي الحكم على كلام بأنه ليس لأهل العصر الفلاني إلا إذا اشتمل على شيء يجزم بأنه لا يوجد في كلام أهله على اختلاف طبقاتهم وتباين أذواقهم ومعارفهم وهو امر يحتاج إلى استقراء تام وإحاطة كاملة بأحوال الرجال وتفاوت مراتبهم في الكمال ، بعد فمما لا شك فيه ان الاسلام قد اثر في لغة أهله وفي نظمها وتراكيبها أثرا بينا وادخل فيها أمورا لم تكن قبله كما أن القرآن المجيد قد علم قراءة من الصناعة اللفظية ودقائق المعاني وبديع الأساليب شيئا لم تعرفه عامة أهل العصر من العرب وأهل البوادي والوبر وكذلك السنة الشريفة على أنه من الممكن إن لم يكن من المحقق الثابت أن في الصحابة من العلماء الكبار المطلعين على الفلسفة اليونانية وغيرها المحيطين بالعلوم وكيفية تدوينها قبل انتشارها في عصرهم بل وفي العصور المتأخرة وقبل تداولها بين الناس ، وكان كاتب الفجر ينظر إلى الناس بعين واحدة من غير تفرقة بين الآحاد ولا ميزة بين الاشخاص فلا يفرق بين الذرة والطود ولا بين عالم صحابي أحاط بالعلوم وثقفته يد النبوة وتخرج من الكلية الالآلهية وبين اعرابي بدوي درج بين مراتع الوحش ومنابت القطر وكان عصر النبوة يجمع بين الفريقين وكلامهم يتفاوت بقدر تفاوت أشخاصهم ثم يقال له بعد هذا كله إن احتمال الوضع والدس لو كان له مجال لكان بما هو أشبه بكلام أهل ذلك العصر أولى وأحرى لأن أهل الوضع غالبا لهم معرفة تامة بأساليب كلام من يريدون أن ينسبوا اليه ما ليس له فلا ينسبون ما لا يعرف إلا في العصر العباسي مثلا إلى من تقدم على ذلك العصر لأنه من نقض الغرض وتفويت المقصود كما لا يخفى على كل ذي بصيرة . وأما قوله » كما ترى في وصف الطاوس « فهو قول بين الوهن فإنك لا ترى أي ميزة بين الخطبة الطاوسية وبين غيرها من الخطب تخص بالذكر وينوه عنها كشاهد على الدعوى فان من أنس بكلام النهج وعرف أساليبه لا يجد فرقا بينها وبين غيرها في تنميق الألفاظ والتفنن في الأوصاف ودقائق المعاني وبدائع النظم وحسن الانسجام . نعم ربما اعترض شاك أو مرتاب فقال أين العرب وهذا