هذا إلى ما فيه من معان دقيقة منمقة على أسلوب لم يعرف الا في العصر العباسي كما ترى في وصف الطاوس . انتهى ما له دخل من كلامه في المقام وظاهره الشك في نسبة كلام النهج إلى أمير المؤمنين بل لعل الظاهر منه بعد امعان النظر فيه الجزم بالعدم وعلى اي حال فاللازم البحث والنظر في كلماته ، اما قوله وقد شك في مجموعها النقاد ففيه ان هذا غير ضائر بعد ان تيقنه جمهور العلماء قديما وحديثا وأهل التأريخ والأدب والسير والمغازي من جميع فرق المسلمين وبعد ان رواه الثقة الثبت المعتمد الذي لا مغمز فيه وقد تلقاه بالقبول أكثر طوائف المسلمين بلا تشكيك ولا تردد وفيهم من هو أغزر من الصفدي وهوار علما وأوسع إحاطة واطول باعا في الخبرة والاطلاع وما يعمل تشكيك هذين مع جزم الجم الغفير من فطاحل العلم وخريتي الصناعة ولو كان تشكيك الشاذ وتردد النادر ذا قيمة وأهمية لما اتسع لكاتب ولا لمؤرخ ما اتسع له من اثبات الوقايع ونسبتها لأحد ولما تسنى لصاحب الفجر نفسه ان يكتب هذا الكتاب الضخم فان كثيرا من منسوباته لا يسلم من مشكك في النسبة أو قادح فيها بل أو متيقن للخلاف وأما ما ذكره من موجبات الشك ومثيراته فهو على ما يزعم أمور .
الأول - ما يوجد فيه من سجع منمق وصناعة لفظية وقد تقدم منا الكلام على ذلك وذكرنا أن القرآن المجيد قد اشتمل على كثير من الفواصل ومن الصناعة اللفظية وأنواع البديع ويوجد مثل ذلك في خطب العرب قبل الاسلام وبعده .
الثاني - ما فيه من تعبيرات انما حدثت بعد أن نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية وبعد أن دونت العلوم يعني : والتدوين والنقل لم يكونا إلا بعد انقضاء عصر الصحابة وتصرمه وهذا الامر كالأمر الثالث الذي ذكره من اشتماله على معان دقيقة وأساليب لم تعرف إلا في العصر العباسي مرجعها إلى أمر واحد بل مرجع الأمور الثلاثة إلى أنه قد أشتمل على ما يشابه كلام العرب في صدر الاسلام وكلام الصحابة الذين في عصره وهذه الدعوى تحتاج إلى إحاطة تامة واستقراء كامل ولا يكفي فيها الحدس واستقراء موارد جزئية على أن أهل العصر الواحد لا يجب أن تنفق أساليب كلامهم ومناهجهم في الكتابة والعبارة إلى زمن انقراضهم كما هو المشاهد لنا فأنا نشأنا وللشعر والنثر وكتابة الكتب والرسائل منهج وطريقة يسير عليها الكتاب والشعراء ، وأخيرا تغير ذلك المنهاج وتبدلت تلك الطريقة وهجر ذلك الاستعمال في الشعر والنثر والكتب والرسائل ومنشأ ذلك إما تبدل الأذواق
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 216
مساهمون: الشيخ هادي كاشف الغطاء
ص٢١٦