أسجاعه وتوليد ألفاظه كالأزلية والكيفية ولعزو العلماء بعضه قبل ان يكون جامع النهج إلى غيره ولما فيه مما كان كرم اللَّه وجهه أعلى قدرا وأدق نظرا من أن يفوه به كبعض المطاعن والمغامز التي كان ينكرها على أصحابه إذا سمعهم يسبون أهل الشام فكيف به وكالذي جاء في آخر القاصعة وفي الخطبة التي يخبر بها عما يكون من أمر التتار والخطبة التي يومي بها إلى الحجاج ونحو ذلك مما لا يتفق وأسلوبه الحر المحقق وكلامه الحكيم في شيء أقول ظاهر كلامه هو القدح في بعض ما تضمنه كتاب النهج لا في جميعه ، وان ذلك من جهة المتن لا من جهة السند ولكنها ترجع اليه . وما ذكره من مباينة ذلك لأسلوب الصدر الأول بأمرين هما وفرة أسجاعه وتوليد ألفاظه فيقال له : اما وفرة الأسجاع فهي ممنوعة وعلى فرض تسليمها فهي غير موجبة لمباينة أسلوب الصدر الأول ولا قادحة في فصاحة الكلام إذا جاءت عفوا من غير تكلف ولا تعسف ، فأما عدم قدحها في الفصاحة والبلاغة فهو أمر لا مرية فيه ، وقد عد السجع والازدواج من محسنات الكلام ، واما عدم المباينة فلورود أمثال ما يسميه في النهج سجعا في كلام العرب وفي الخطب التي قبل الاسلام . وقد ورد كثيرا في القرآن الكريم وان منع بعض من تسميته سجعا احتراما لكلامه تعالى ، وورد في كلام النبي وكلام صحابته من ذلك ما لا يخفى على الخبير .
ولو أردنا بسط الكلام في هذا لا تسع المجال فراجع ان شئت شرح ابن أبي الحديد صفحة 41 ( ج ل ) فإنه ذكر ان قوما عابوا السجع وأدخلوا خطب أمير المؤمنين في جملة ما عابوه إلى آخر ما فصله . وراجع كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري صحيفة 199 وكتاب المثل السائر صحيفة 71 وغيرها من كتب الفن لتتضح لك صحة جميع ما ادعيناه . واما دعوى توليد بعض الالفاظ الواردة في النهج كالازلية والكيفية فهي كدعوى التوليد في ألفاظ وردت في كلام عربي يوثق بعربيته وفي ذلك ما لا يخفي فان المولد هو ما يوجد في كلام من لا يحتج بكلامه من الألفاظ المحدثة التي لم يذكرها أهل اللغة ، واما ما يوجد في الكلام العربي الذي عليه يعتمد واليه يستند فلا معنى لوصفه بالتوليد فما يوجد في الكتاب الكريم وفي كلامه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكلام صحابته رضي اللَّه عنهم لا يحتاج في شأنها إلى كلام كتب اللغة وأهل اللسان . وقد روى لنا جميع ما في النهج راو ثقة معتمد من أئمة العربية عن عربي صراح لا تقل روايته في القبول والاعتبار عما يرويه بعض أهل اللغة عن امريء
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 212
مساهمون: الشيخ هادي كاشف الغطاء
ص٢١٢