شيم ما جمعن في بشر قط
ولا نال مثلهن العباد
وقد ذكر الشريف الرضي « ص 11 » من خطبة النهج ان من عجائبه ( ع ) التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ إذا تأمله المتأمل وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره لم يعترضه الشك في أنه من كلام من لاحظ له في غير الزهادة ولا شغل له في غير العبادة ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقط الرقاب ويجدل الابطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا وهو مع ذلك زاهد الزهاد وبدل الأبدال وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه التي جمع بها بين الأضداد وألف بين الاشتات وقال الشارح ( ص 16 ج ل ) كان أمير المؤمنين ذا أخلاق متضادة منها ما ذكره الرضي رحمه وهو موضع التعجب وذكر ما نقلناه عنه ثم ذكر أمورا أخر نحن نذكرها بايجاز واختصار ( منها ) أن الغالب على ذوي الشجاعة أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية والغالب على أهل الزهادة أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق ونفار من الناس وأمير المؤمنين كان أشجع الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا وأكثرهم وعظا وأشدهم اجتهادا في العبادة وكان مع ذلك ألطف الناس أخلاقا وأسفرهم وجها وأكثرهم بشرا وأبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر . ( ومنها ) أن الغالب على الشرفاء في النسب سيما إذا أضيف إليه الشرف من جهات أخرى أن يكونوا ذوي كبر وتيه وتعظم وتغطرس وكان أمير المؤمنين ( ع ) أشرف الناس بعد ابن عمه صلَّى اللَّه عليه وسلم ومع ذلك كان أشد الناس تواضعا لصغير وكبير وألينهم عريكة وأبعدهم عن الكبر ( ومنها ) أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل النفوس أن يكونوا قليلي العفو والصفح وحال أمير المؤمنين ( ع ) في العفو والصفح ومغالبة هوى النفس ظاهر معلوم ( ومنها ) أن الشجاع لا يكون جوادا كطلحة والزبير وابنه عبد اللَّه وعبد الملك حتى سمي رشح الحجر وحال أمير المؤمنين في السخاء والشجاعة لا يخفى على أحد هذا ، والخلاصة أن من أحاط بكلام النهج وعرف مقاصده وفنونه وما ضمته دفتاه من المعارف والكمالات وعرف أمير المؤمنين وعلو شأنه وما حوته ذاته الشريفة المقدسة جزم بنسبة كلام النهج إليه ورآه مظهرا من مظاهر ذلك المتكلم وممثلا لشخصيته الغائبة عن العيون وإني لا قرأه وأراه كمرآة تنطبع لي فيه صورة قائله على اختلاف الحالات والصفات .
رابعا - إنا وقفنا على جملة من خطب النهج وكتبه ووصاياه وحكمه مذكورة