ثانيا - إن مهرة الفن وصاغة البلاغة والمشاركين في العلوم والمعارف إذا سبروا ما في النهج وتلمسوا غوره عرفوا أنه لا يتيسر إلا لذي دهاء في السياسة وخبرة في الأدب وعصمة في التقوى وبراعة في الآداب وتعمق في الفلسفة العامة وإن من انحط عن ذلك المقام العلمي ولم تتوفر فيه تلك الملكات الكاملة ليس له من أسباب الطاقة ما يبلغه ذلك المستوى ومن أين للشريف أو غيره بعض تلك الدرجات العلمية القدسية ، وإن من أولئك الذين علموا أن لكلام أمير المؤمنين ( ع ) طاقة قدسية يفيض عنها ويتفجر منها الشيخ الأستاذ محمد عبده فيما أورده في خطبة شرحه على النهج نوردها هنا باختصار فإنها تتضمن تصريحا بان كلام أمير المؤمنين بما فيه من علوم ومعارف مبدئها غريزة جبارة وفطرة سماوية شامخة لا يستطاع أن يحذى حذوه أو يؤتى بمثاله ( قال ) أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب نهج البلاغة صدفة بلا تعمل فتصفحت بعض صفحاته وتأملت جملا من عباراته فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبت وغارات شنت وأن للبلاغة دولة وللفصاحة صولة وأن جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج وتمتلج المهج بر واضع الحجج فتفل من دعارة الوساوس وتصيب مقاتل الخوانس فما أنا إلا والحق منتصر والباطل منكسر ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود وأن مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد وتجول المعاهد فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية وتدنو من القلوب الصافية توحي إليها رشادها وتقوم منها مردها وتنفر بها عن مداحض المزال إلى جواد الفضل والكمال وطورا كانت تنكشف لي الجمل عن وجوه باسرة وأنياب كاسرة وأرواح في أشباح النمور ومخالب النسور قد تحفزت للوثاب ثم انقضت للاختلاب فخلبت القلوب عن هواها وأخذت الخواطر دون مرماها واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء وأحيانا كنت أشهد عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الانساني فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى وسكن به إلى غمار جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التلبيس وأنا كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي باعلياء الكلمة وأولياء أمر الأمة يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 201
مساهمون: الشيخ هادي كاشف الغطاء
ص٢٠١