تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدرك نهج البلاغة — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠

كلامه أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام اللَّه وكلام نبيه وأغزره مادة وأرفعه أسلوبا وأجمعه لجلائل المعاني ، والذي هو ( 1 ) مشرع الفصاحة ومنشأ البلاغة ، منه ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى غراره حذى كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، وقد سبق وقصروا ، وتقدم وتأخروا ، لأن كلامه الكلام الذي عليه مسحة من العلم الالآهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، ذاك الذي التقط الآمدي من درر كلمه وغرر حكمه سفرا ضخما قال في خطبته جمعت يسيرا من قصير حكمه ، وقليلا من خطير كلمه ، تخرس البلغاء عن مساجلته وتبلس الحكماء عن مشاكلته ، وما أنا في ذلك - علم اللَّه - إلا كالمغترف في البحر بكفه ، والمعترف بالتقصير وإن بالغ في وصفه ، وكيف لا وهو ( ع ) الشارب من الينبوع النبوي ، والحاوي بين جنبيه العلم اللاهوتي ، إذ يقول ، وقوله الحق ، وكلامه الصدق ، على ما أدته إلينا الأئمة النّقلة : « إن بين جنبي لعلما جما لو أصبت له حمله » إلى غير ذلك من كلم ذوي العلم ، فلا يليق بعد ما قدمنا أن ينسب هذا الكلام أو شيء منه إلى الشريف الرضي وإن بلغ ما بلغ ، وأنّى للرضي وغيره هذا النمط وهذا الأسلوب وقال ابن الخشاب : قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور ، وما يقع من هذا الكلام - يعني الخطبة الشقشقية - في خل ولا خمر قلت : كما أنا قد وقفنا على شيء من رسائله في الكتاب الموسوم بالدرجات الرفيعة ، فألقيناها لا تضاهي ذلك الطراز ، ولا تستقل على عدوة ذلك المجاز ، ويمكنك أن تستعرض خطبة من نهج البلاغة وشيئا من رسائل الشريف ، وتستجلي الديباجتين ، وتتذوق الأسلوبين ، لترى مباينتها لكلام النهج ، ومخالفتها لطريقته وأسلوبه ، وتقاصرها عن شأوه ، وترى شعار التوليد عليها ظاهرا وأثره فيها بينا على أن الشريف ممن مارس كلام النهج وزاوله وألف طريقته وعرف أسلوبه وصياغته وربما سبر في أعماق خواطره فرائد من كلمه وغرر من فقره تزكو بها قريحته ولكنه مع هذا كله لا يقتدر ان يأتي بمثل كتبه ولا ببعض عهوده إلا ويكون مقاله بالنسبة إلى كلام أمير المؤمنين ( ع ) مهوى الأخمص من القمة وسرة الوادي من رأس الذروة ، لا يخفى ذلك على ذي خبرة ولا يشتبه على النيقد بأول نظرة .

هامش
( 1 ) من كلام السيد الرضي في خطبه .
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 200 | الشيخ هادي كاشف الغطاء