تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدرك نهج البلاغة — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
ويحذرهم مزالق الاضطراب ويرشدهم إلى دقائق السياسة ويهديهم طرق الكياسة ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة ويصعدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه إلى هنا يحصل المقصود من نقل كلام هذا الألمعي البصير وله بقية حسنة يرجع إليها من أرادها . ثالثا - إنا نظرنا في كتاب النهج وتأملناه فوجدناه متشعب الفنون مختلف الأنواع لم يدع غرضا دينيا إلا أصابه ولا مقصدا عاليا إلا جاء به فأجناسه مختلفة وأنواعه متشتتة قد تضمن الزهد والوعظ والتحذير والتذكير والحكمة والعالية والعلوم الشريفة الإلهية والحكم والآداب والاخلاق والسنن والوصايا والنصائح والسياسة والامارة والحروب والفتن وقيادة الجيوش ونظام الأمور وغير ذلك مما يضمه ذلك السفر الجليل الذي جمع ما لم يجمعه كتاب ولم يحوه مصنف وفي كل الأنواع والمقاصد قد بلغ حد الاعجاز من نوعه حتى كأن منشأه من المتخصصين فيه والمنقطعين إليه لم يعرف غيره ولم يمارس سواه ثم نظرنا بعد ذلك في الخطباء وأهل النثر والشعر وكتاب الرسائل والعهود والتقاليد تالدهم وطريفهم على اختلاف طبقاتهم وأعصارهم فلم نر في كلامهم ما يضاهي ما في النهج أو يدانيه ولم نر فيهم من برع في سائر فنون الكلام ومقاصده ولا من خاض في تلك الأنواع المختلفة ولئن أجاد في نوع فلا يكاد يجيد في غيره فاذن لا يصلح هذا الكتاب أن ينسب إلى شخص واحد منهم ولا إلى أشخاص متعددين لتباين الناس في الطريقة ومذاهب الكلام وأساليبه وقد قلنا أن كلام النهج كله كسبيكة مفرغة لا تختلف ابعاضه في الطريقة والأسلوب فهو كلام لا يصح العارف نسبته إلا لمتكلم واحد قد تحمل العلوم الكثيرة وعرف الأمور الدينية والسياسية وصارت تلك الصفات من غرائزه وملكاته حتى صارت تجري على لسانه بلا تكلف ولا إمعان نظر وقد جمع أوصافا لا تكاد تجتمع في غيره كعلم وسياسة وعبادة وشجاعة وزهادة وإمارة وحكمة وسخاء وغير ذلك من الأوصاف التي تحويها متفرقة أعاظم الرجال وأبطالهم ولم نجد كما لم يجد غيرنا ممن هو أطول منا باعا في العلم والخبرة بأحوال الرجال من حوى جميع تلك الصفات المتضادة والأخلاق المتباينة غير أمير المؤمنين ( ع ) حتى قيل فيه :
جمعت في صفاتك الأضداد فلهذا عزت لك الأنداد زاهد حاكم حليم شجاع ناسك فاتك فقير جواد
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 202 | الشيخ هادي كاشف الغطاء