وجحد البديهيات ، اللهم إلا شاذ منهم لا يعرف ما خالف في نسبة بعضه اليه ( ع ) ولعل جماعة من أكابر علماء أهل السنة والجماعة ومؤرخيهم - إن لم يكن أكثرهم - يوافقون على صحة تلك النسبة ولا يبدون أدنى خلاف في ذلك ، والمخالف من متقدميهم في نسبة بعضه اليه قليل نادر ، وإنما نشأ التشكيك والخلاف من ناشئة جديدة تسعى لنقض الحقائق الراهنة تحت ستار طلبها فأخذوا يتشبثون لنفي ذلك بكل وسيلة ويتوصلون اليه بكل ذريعة .
والخلاصة أن اعتقادنا في كتاب نهج البلاغة أن جميع ما فيه من الخطب والكتب والوصايا والحكم والآداب حاله كحال ما يروى عن النبي ( صلَّى اللَّه عليه وسلم ) . وعن أهل بيته في جوامع الأخبار الصحيحة وفي الكتب الدينية المعتبرة ، وإن منه ما هو قطعي الصدور ومنه ما يدخله أقسام الحديث المعروفة ، وأما مؤلفه الشريف فاعتقادنا فيه أنه منزه عن كل ما يشين الرواة ويقدح في عدالتهم وأنه لم ينشئ شيئا من نفسه وأدخله في النهج كما أنه لم يدخل فيه شيئا يعلم أنه لغير أمير المؤمنين ، بل لم يكن كحاطب ليل ، فهو لا يروي شيئا إلا بعد التثبت ، ولا ينقله إلا عمن يعتمد عليه من الرواة وأهل السير والتاريخ ، فجميع ما في النهج هو من كلام مولانا أمير المؤمنين ( ع ) على رواية الثقة العدل ولا دخيل فيه ولا وضع .
مؤلف النهج ووثاقته
أنا لا أريد أن أكتب سيرة المؤلف الشريف ولا ترجمة حياته ، وإنما الذي يهمني أن أذكر ما له من الورع والعلم والتقى والوثاقة وجلالة القدر وعلو المنزلة وطول الباع في المعارف وسعة الاطلاع والإحاطة بمؤلفات شتى في التاريخ والسير وغيرها ، ذهب جلها ولم يبق منها إلى عصرنا إلا شيء يسير . كان رضي اللَّه عنه كما قال الخطيب البغدادي من أهل الفضل والعلم والأدب . وقال غيره كان المؤلف فاضلا ( 1 ) عالما ورعا عظيم الشأن رفيع المنزلة عالي الهمة مستلزما ( 2 ) بالدين وقوانينه لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة وقد عرف من الفقه والفرائض طرفا قويا ، وله مصنفات عديدة وقفنا منها على المجازات النبوية وكتاب الخصائص ( 3 ) وعلى الجزء
هامش
( 1 ) من الخلاصة للعلامة .
( 2 ) ابن أبي الحديد في ص 3 ج 1 .
( 3 ) يوجد في مكتبتنا .