لحوق هارب ، ولا يفوته ناء ولا آيب ، يهدم كل لذة ، ويزيل كل بهجة . عباد اللَّه ، إن الدنيا دار رضي اللَّه لأهلها الفناء ، وقدر عليهم بها الجلاء . فكل ما فيها نافذ ، وكل من يسكنها بائد ، وهي حلوة خضرة ، رائقة نضرة قد زينت للطالب ، ولاطت بقلب الراغب ، يطَّبيها ( 1 ) الطامع ، ويحتويها الوجل الخائف ، فارتحلوا رحمكم اللَّه منها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد ، ولا تطلبوا منها سوى البلغة ( 2 ) وكونوا كسفر نزلوا منزلا فتمتعوا منه بأدنى ظل ، ثم ارتحلوا لشأنهم ، ولا تمدوا أعينكم فيها إلى ما متع به المترفون ، فان ذلك أخف للحساب ، وأقرب من النجاة . ألا وإن الدنيا قد تنكرت وأدبرت ، وآذنت بوادع ، ألا وإن الآخرة قد أقبلت ونادت باطلاع ، ألا وإن المضمار اليوم وغدا السباق ، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار . أفلا تائب من خطيئته قبل هجوم منيته أو لا عامل لنفسه قبل يوم فقره وبؤسه جعلنا اللَّه وإياكم ممن يخافه ويرجو ثوابه . ألا وإن هذا اليوم يوم جعله اللَّه عيدا ، وجعلكم له أهلا ، فاذكروا اللَّه يذكركم ، وادعوه يستجب لكم ، واستغفروه يغفر لكم ، وأدوا فطرتكم ( 3 ) فإنها سنة نبيكم ، وفريضة واجبة من ربكم ، فليخرجها كل امرئ منكم من طيّب كسبه ، طيبة بذلك نفسه ، وتعاونوا على البر والتقوى ، وأدوا فرائض اللَّه عليكم فيما أمركم به من إقامة الصلوات المكتوبات ، وأداء الزكوات وصيام شهر رمضان ،
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 107
مساهمون: الشيخ هادي كاشف الغطاء
ص١٠٧
هامش
( 1 ) يطبيها بتشديد الطاء : أي يصاحبها حتى تقتله .
( 2 ) البلغة : الكفاف .
( 3 ) أي زكاة فطركم .