التي قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عنها : « ان المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكبر خبث الحديد » ( 1 ) فلعمري لقد صح وعده ، وصدق قوله ، ولقد نفت خبثها ، وطردت عنها من ليس بأهل ان يستوطنها فأقمت بين المصرين ، وبعدت عن بركة الحرمين ( 2 ) ، ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة ، وبمجاورة الخورنق والحبرة ( 3 ) عوضا عن مجاورة خاتم النبوة ، ومن قبل ذلك ما عيبت خليفتي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أيام حياتهما ، فقعدت عنهما ، وألبت عليهما ( 4 ) ، وامتنعت من بيعتهما ، ورمت امرا لم يرك اللَّه تعالى له اهلا ، ورقيت سلما وعرا ، وحاولت مقاما دحضا ( 5 ) ، وادعيت ما لم تجد عليه ناصرا ، ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت الا فسادا واضطرابا ( 6 )
هامش
( 1 ) كير الحداد : منفاخه ، وخبث الحديد : ما نفاه الكير منه وهو ما لا خير فيه وقد علق الأستاذ احمد زكي صفوت على هذا بقوله : « والعجب كل العجب ان يصم عليا بتركه دار الهجرة ، وان يقول له : ان المدينة قد نفتك عنها لأنك خبث ، مع أن هذا القول مردود عليه هو ، فقد نفته المدينة عنها منذ ولي الشام من عهد عمر فهو اذن خبث وكذلك طلحة والزبير وعائشة الذين خرجوا إلى البصرة والذين يتعصب لهم ، ويحتج بهم والكلام في ذلك طويل نجتزي منه بهذا القدر اليسير » انظر حاشية ( جمهرة رسائل العرب ) 2 ، 216 .
( 2 ) المراد بالمصرين البصرة والكوفة ، وبالحرمين مكة والمدينة .
( 3 ) الخورنق - بفتح أوله وثانيه وراء ساكنة ونون مفتوحة وآخره قاف : قصر بظهر الحيرة سمي باسم الموضع الذي بني فيه بناه أحد ملوك اللخميين في ستين عاما قيل : بناه رجل من الروم يقال له : سنمار « بكسر السين والنون وتشديد الميم » فكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس سنين وأكثر من ذلك وأقل ، فيطلب فلا يوجد ثم يأتي فيحتج ، فلم يزل يفعل هذا ستين سنة حتى فرغ من بنائه ، فصعد الملك على رأسه ونظر إلى البحر اتجاهه ، والبر خلفه ، والنخل حوله ، فقال : ما رأيت مثل هذا البناء قط فقال له سنمار : اني لا علم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله ، فقال : ايعرفها أحد غيرك قال : لا ، قال : لا جرم لادعنها ولا يعرفها أحد ثم امر به فقذف من أعلى القصر فتقطع فضرب به المثل فقيل : « جزاني جزاء سنمار » . وقيل : قتله خشية ان يبني لغيره مثله وهو الأرجح
( 4 ) التأليب : التحريض .
( 5 ) مكان دحض - بالفتح ويحرك - زلق .
( 6 ) الاضطراب : الاختلاف .