والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوّله ، وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه ، أماد السّماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها ، فجدّدهم بعد أخلاقهم ( 1 ) وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء ، فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره ، وخلَّدهم في داره ، حيث لا يظعن النّزّال ، ولا تتغيّر بهم الحال ، ولا تنوبهم الأفزاع ( 2 ) ، ولا تنالهم الأسقام ، ولا تعرض لهم الأخطار ، ولا تشخصهم الأسفار ( 3 ) . وأمّا أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار ، وغلّ الأيدي إلى الأعناق ، وقرن النّواصي -
هامش
( 1 ) يقال : ثوب اخلاق - بالفتح - اي خلق جدا
( 2 ) الافزاع جمع فزع وهو الخوف ، وتنوبهم : تصيبهم .
( 3 ) أشخصه : أزعجه باخراجه من وطنه .