هذا ولابن أبي الحديد تعليق لطيف على هذه الخطبة قال : هذا موضع المثل : ( لكل شجرة نار ، واستمجد المرخ والعفار ) ( 1 ) الخطب الوعظية الحسان كثيرة ولكن هذا حديث يأكل الأحاديث :
محاسن أصناف المغنيين جمة
وما قصبات السبق إلا لمعبد
من أراد أن يتعلم البلاغة والفصاحة ، ويعرف فضل الكلام بعضه على بعض فليتأمل هذه الخطبة فان نسبتها إلى كل فصيح عدا كلام الله ورسوله نسبة الكواكب الفلكية المنيرة إلى الحجارة المظلمة الأرضية ، ثم لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء والجلالة ، والرواء والديباجة ، وما يحدثه من الروعة والهيبة ، والمخافة والخشية حتى لو تليت على زنديق ملحد مصمم على نفي البعث والنشور لهدت قواه ، وأرعبت قلبه ، وأضعفت نفسه ، وزلزلت اعتقاده ، فجزى الله قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى وليا من أوليائه ، فما أبلغ نصرته له تارة بيده وسيفه وتارة بلسانه ونطقه ، وتارة بقلبه وفكره إن قيل جهاد وحرب فهو سيد المجاهدين ، وإن قيل وعظ وتذكير فهو أبلغ الواعظين والمذكَّرين ، وإن قيل فقه وتفسير فهو رئيس الفقهاء والمفسرين ، وإن قيل عدل وتوحيد ، فهو امام أهل العدل والموحدين و :
ليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
( 2 )
هامش
( 1 ) العفار كسحاب ، والمرخ - بتسكين الراء بعدها خاء معجمة - : شجرتان من شجر النار ، يضرب بهما المثل في سرعة الورى ، حتى قيل : ان المرخ ربما كان مجتمعا فتهب الريح فيحرك بعضه بعضا فأورى فأحرق الوادي ، وقيل : ان العفار هو الزند وهو الاعلى ، والمرخ : الزندة وهو الأسفل ، واستمجد : استفضل ومعناه حاز الأفضلية على جميع شجر النار ، وكذلك حازت مواعظ أمير المؤمنين عليه السّلام الأفضلية على جميع المواعظ .
( 2 ) الشرح م : 2 ص 230