عند الموت من أمره ( 1 ) ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، ويتمنّى أنّ الَّذي كان يغبطه بها ، ويحسده عليها ، قد حازها دونه ، فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه ( 2 ) . فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه ، يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ، ثمّ ازداد الموت التياطا به ( 3 ) ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الرّوح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا ، ثمّ حملوه إلى مخطَّ في الأرض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته ( 4 ) ، حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ،
هامش
( 1 ) أصحر ، برز
( 2 ) أي شارك اللسان السمع بالعجز عن أداء وظيفته .
( 3 ) التياطا : أي التصاقا .
( 4 ) المخط : الأرض التي تخط في الأرض ويجعل عليها علامة ، والزور : الزائر ويسمى به الواحد والجمع . وعن زورته : أي زيارته .