فصار كلّ ما خلق حجّة له ، ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة ( 1 ) أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم ( 2 ) المحتجبة لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ( 3 ) ولم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ( 4 ) وكأنّه لم يسمع تبرّأ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون * ( « تَا لله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ » ) * كذب العادلون ( 5 ) بك إذ شبّهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزّؤك تجزئة المجسّمات بخواطرهم وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى ،
هامش
( 1 ) أخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال :وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد
( 2 ) الحقاق جمع حق - بالضم - رأس العظم عند المفصل .
( 3 ) غيب الضمير : باطنه ، والمراد منه هنا العلم واليقين ، أي لم يحكم بيقينه في معرفتك بما أنت أهل له ، ويروى « لم يعقد » على ما لم يسمى فاعله ، وغيب ضميره بالرفع .
( 4 ) الند - بالكسر - المثل والنظير وكذلك النديد .
( 5 ) العادلون با لله : الذين جعلوا له عديلا ونظيرا .