الهدنة ( 1 ) قد سمّاه أشباه النّاس عالما وليس به . بكَّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر ( 2 ) حتّى إذا ارتوى من آجن ( 3 ) . واكتنز من غير طائل . جلس بين النّاس قاضيا . ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ( 4 ) ، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثا من رأيه ثمّ قطع به ( 5 ) ، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت . لا يدري أصاب أم أخطأ ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب ، جاهل خبّاط جهالات ، عاش ركَّاب عشوات ، لم يعض على العلم بضرس قاطع ( 6 ) ،
هامش
( 1 ) عم وصف من العمى أي جاهل ، والهدنة : امهال الله له في العقوبة . والمراد من عقد الهدنة مدتها وتروي « غيب الهدنة » أي في طيها وضمنها .
( 2 ) بكر : بادر إلى الجمع كالجاد في عمله يبكر إليه من أول النهار ، واستكثر أي احتاز كثيرا من جمع - بالتنوين - أي مجموع .
( 3 ) الماء الآجن : الفاسد المتغير الطعم واللون . واكتنز : عد ما جمعه كنزا وهو غير طائل ، أي ليس فيه غناء ويقال ذلك في التذكير والتأنيث ولا يتكلم فيه إلا في الجحد .
( 4 ) التخليص : التبيين ، والتبس على غيره : اشتبه .
( 5 ) المبهمات : المشكلات لأنها ابهمت عن البيان كالصامت ، والحشو : الزائد لا فائدة فيه ، والرث : الخلق البالي . والعاشي الذي لا يبصر ليلا ، والعشوات جمع عشوة - بتثليث العين - ركوب الأمر على غير هدى .
( 6 ) من عادة عاجم العود أي مختبره ليعلم صلابته من لينه أن يعضه فلهذا ضرب المثل للخبرة بالعض بضرس قاطع .